يسعى هذا المقال إلى إقامة جسر للتواصل بين معطيات التراث في الدرس البلاغي العربي وبين المقاربة التداولية الحديثة، ومحاولة الإجابة عن أسئلة: هل تمثِّل مفاهيم (المقام) و(الحال) اشتغالا تداوليًا حقيقيًا في تراثنا البلاغي؟
تتجه التداولية إلى الاهتمام بدراسة الخطاب والإقناع، ودراسة ما يرتبط بالمخاطب وطريقة أدائه، وتلقيه ومطابقة الخطاب لمقتضى الظاهر ومخالفته إلى غير ذلك من المسائل التي يمكن أن تهتم بها التداولية التي تركّز في دراسة الكلام واللغة على جانبها الاستعمالي، وعلى السياقات المختلفة والمواقف المتباينة والظروف والملابسات المحيطة التي تتخلق فيها اللغة وتؤدي في طياتها وظيفتها، وهذه المسائل تمثّل مبادئ التفكير اللغوي في التراث البلاغي العربي، وتعرّف التداولية بأنها: «دراسة استعمال اللغة مقابل دراسة النظام، والذي تعنى به تحديداً اللسانيات، وإذا تحدثنا عن استعمال اللغة، فلأن هذا الاستعمال ليس محايداً، من حيث تأثيراته، في عملية التواصل ولا في النظام اللغوي في حد ذاته»
وقد حاولت البلاغة العربية معالجة اللغة من منظور مستعمليها وفي ضوء سياقات الاستعمال، فيظهر الاشتغال التداولي في البلاغة من خلال مفاهيم (السياق) كـ (مقتضى الحال) و(المقام)، وكان اهتمام الدرس البلاغي العربي بالمقام مبكراً جداً، فقد تحدّث صلاح فضل عن مفهوم التداولية، وذكر أن هذا المفهوم «يأتي ليغطي بطريقة منهجية منظّمة المساحة التي كان يشار إليها في البلاغة القديمة بعبارة (مقتضى الحال) وهي التي أنتجت المقولة الشهيرة في البلاغة العربية (لكل مقام مقال)».
والاطلاع على المنجز البلاغي العربي في مدوناته المختلفة يدل على أن البلاغيين العرب «قد مارسوا المنهج التداولي قبل أن يذيع صيته بوصفه فلسفة وعلماً، رؤيةً واتجاهاً أمريكياً وأوروبياً».
ويرى محمد العمري أننا إذا نظرنا في مجمل الإنجاز البلاغي العربي في ضوء الأسئلة البلاغية الحديثة، نقتنع بأن هذا التراث ما زال محاوراً يثير الدهشة من جانبين هما: الشمول والعمق، فالشمول كان نتيجة لتشعب المنطلقات والمصادر والخلفيات الذي أدى إلى تنوع الأسئلة والاهتمامات، فامتد مجال البلاغة العربية مغطّياً البعدين الكبيرين للمجال البلاغي في معناه القديم والحديث على حد سواء/ الغرابة (الانزياح والبديع) والمناسبة (المقامية والتداولية).
ولقد ارتبط سؤال المناسبة المقامية التداولية في أجلى صوره بالبحث عن فعالية علمية إقناعية خطابية عند الجاحظ من جهة، كما ارتبط من جهة أخرى بملاءمة العبارة للمقاصد ضمن نظرية النظم الإعجازية، أو ما يمكن أن ندعوه تداولية لسانية في مقابل التداولية المنطقية الإقناعية النصية، وارتبط من جهة ثالثة بالبحث عن بلاغة كلاسيكية ذوقية تقوم على الصحة والمناسبة، عند ابن سنان مثلاً، وهذا ما جعل حازم القرطاجني ( 684هـ) ينتبه إلى «هذا التنوع والغنى، فحاول أن يدمج المداخل المختلفة في بلاغة شعرية كلية يتداخل فيها المحاكي والمقنع، فامتد التخييل عنده ليحتوي المعرفة والاستدلال، على الرغم من أن مدار الكتاب على بلاغة الشعر، وعن طريق التخييل خرج من دائرة الصدق والكذب التي شوَّشت مواقف كثير من البلاغيين»، إضافة إلى العمق، وهو البعد الثاني، فالبلاغة العربية تثير الإعجاب بعمق حفرياتها، لا سيما مع عبدالقاهر الجرجاني (471هـ) في تحليلاته العميقة وتفسيراته الوجيهة التي كشفت عن بناء الشعر على المفارقة الدلالية وإدخال عنصر النظم بوصفه مراقباً للمزية الانزياحية ومكمّلاً لسانياً للبناء الدلالي مدمجاً في البناء التركيبي، وتأويل قضية السرقة تأويلاً لسانياً شعرياً يتصل بالتخييل وإدخالها في المفهوم الحديث للتناص والإلحاح على البعد الدلالي للموازنات الصوتية، وتأويل الضرورات الشعرية وربطها بالمقاصد، والبناء على الصور البلاغية.
فالبلاغة والتداولية بينهما علاقة وطيدة، ولهذا «يقول الباحث الألماني لو سبيرج: إن البلاغة نظام له بنية من الأشكال التصورية واللغوية، يصلح لإحداث التأثير الذي ينشده المتكلم في موقف محدد، كما يرى ليتش أن البلاغة تداولية في صميمها، إذ إنها ممارسة الاتصال بين المتكلم والسامع بحيث يحلان إشكالية علاقتهما مستخدمين وسائل محددة للتأثير على بعضهما، ولذلك فإن البلاغة والتداولية تتفقان في اعتمادهما على اللغة كأداة لممارسة الفعل على المتلقي»، فالبلاغة تدرس وضع التلقي وتقوية التواصل، ويتجلى ذلك في عملية الخطاب، حيث يقول حمادي صمو: «ثم إن الخطابة تتأسس على ما يمكن أن نسميه المواجهة، ذلك أن الخطيب يلقي كلامه في حفل، والتوجه إلى الجماعة في مناسبة معلومة وموضوع مضبوط أمر عسير يتطلب من المتصدّر له خصالاً نفسية وشخصية تشدّ أزره وتقوي عزمه ليمضي في كلامه على ما يقتضيه المقام، فلا تبرز عليه علامات الارتباك والرهبة ولا يتقطع السلك الناظم لأفكاره، كما أن لخلقته وهيأته دخَلا في تحقيق مقصده باعتبار المعاينين له يتأثرون بحد بعيد بكل الظروف الحافة بالنص»، فالمواجهة في التخاطب تسهم بشدة في التواصل، خاصة عندما تضاف العناصر غير اللغوية، كملامح الوجه وحركات الجسد، حيث تجبر طبيعة هذا الجمع المتكلمَ على اختيار ألفاظ وعبارات بعينها تسهم في لفت انتباه السامع، وكلما كان كلام الخطيب مقبولاً لدى السامع، كان خطابه فاعلاً ومؤثِّراً، فلا يهمل الخطيب أي عنصر يسهم في قوة الإقناع والتأثير.
يرتبط القصد في الخطاب بالسياقين المقالي والمقامي، «واستنادا لهذا السياق بنوعيه المقالي والمقامي ينطلق المتلقي في كشف قصد المتلفظ بالخطاب، حيث تشكل أدوات النص اللغوي وخواصه التركيبية، إضافة لما يكتنف النص من أحوال، قرائن مساعدة في كشف المقاصد والأغراض التواصلية للكلام»، فالذي يوجِّه الخطاب هو السياقات اللغوية، من حيث طبيعة التراكيب والإسناد، والعلاقات التي تربط الجمل والضمائر، ثم هناك عنصر ثانٍ وهو سياق التخاطب، حيث يفهم القصد لدى السامع عن طريق السياقين اللغوي والمقامي، حيث ينبغي على مؤلف الخطاب -حسب السكاكي- أن يهتم جيداً بكلامه، وذلك بأن يعطي السياق اللغوي القدر الذي يحتاجه من التأليف، فيراعي أحوال الإسناد، ومواضع الحذف أو الذكر وكيفية الوصل بين الجمل، فللبنى الكلامية آثارها المهمة في المتلقي وقبوله الخطاب أو رفضه، لأنه تلقى اللغة مشافهة، وأدرك دقائقها فعرف كيف يكيّف السياق حسب المقام.
وعن السياق المقامي يقول السكاكي: «لا يخفى عليك أن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التشكر يباين مقام الشكاية، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية، ومقام المدح يباين مقام الذم، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجد في جميع ذلك يباين مقام الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداءً يغاير مقام الكلام بناءً على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار، جميع ذلك معلوم لكل لبيب، ومقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر» فعلى قدر إلمام المتكلم وفهمه لتركيب كلام السامع، وكذا معرفة الموقف الذي يتم فيه التخاطب، يقدر ما يكون التواصل فعَّالاً ومحققاً لما يراد منه، والسكاكي وفق هذا التحليل يقدم لنا درساً في التداولية الحديثة التي من أهم أسسها مراعاة سياق التخاطب، وإنشاء عملية تواصل ناجحة.
يتبين مما سبق أن البلاغة لم تندثر ولم تفقد دررها وكنوزها، فهي تمتلك قدرة ذاتية على التجدد والتكيّف مع المعارف المعاصرة وحاجات العصر، وكما يقول صلاح فضل: «إن البلاغة التقليدية تبدو اليوم لا كعلم مستقبلي فحسب، بل كآخر ثمرة من نتائج البنيوية والنقد السيميولوجي والنصي الجديد، وتكمن نقطة انطلاق البلاغة الجديدة في اهتمام الفلاسفة المحدثين بمشكلة اللغة وعلاقتها بالفكر، مما أوصل لنتائج مهمة عند المناطقة الجدد، وبلغ ذروته مع مجموعة أبحاث الانثروبولوجيا الأدبية واللغوية، حيث أجمع الباحثون على أن البلاغة هي الأفق المنشود والمتلقي الضروري للتداولية وعلم النص والسيميولوجيا، إن انتقال الاهتمام من الألسنية التي تركز على اللغة إلى ألسنية الكلام وبروز العلاقة بين المرسل والمتلقي في مجال التداولية قد حدا بكثير من علماء اللغة إلى العودة إلى البلاغة».
تكتنز البلاغة بصفة عامة أبعاداً تداولية مهمة، كنظرية أفعال الكلام المجسدة في علم المعنى، وبالضبط في أسلوبي الخبر والإنشاء، إلى جانب مفهوم السياق الذي منحه البلاغيون حيّزاً مهماً من اهتماماتهم، عبر دور كل من الخطيب والسامع في تقوية دورة التواصل، مع مراعاة مقام التخاطب والظروف الزمنية في الكلام ومكان إجرائه، ما يشير إلى تقارب أكيد بين البلاغة والتداولية، لأن البلاغة العربية تداولية في أساسها.
** **
ردينة أحمد إدريس - ماجستير أدب وبلاغة - جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن