ماذا لو استطعنا أن ننقل ما يحدث بين مجتمعات من دول مختلفة ومن مذاهب مختلفة ومن ديانات مختلفة لمدينة واحدة؟ وماذا لو وجدنا في التاريخ ما يمكنه أن يصنع خيطا سرديا روائيا يمكننا من تصوير الانسجام والتعايش وصراع القوى والسلطة والضعف والهشاشة في آن واحد؟
كل هذا حملته يا دكتور محمد علوان في روايتك جرما الترجمان، وبمخليتك استطعت أن تنسنج حبكة تصطاد القراء وتشككهم في التاريخ الذي يحفظونه، هل كان للسلطان محمد الفتاح ابن يدعى جم؟ هل نفاه أخوه بايزيد؟ هل يوجد ترمان يدعى جرمانوس عاش في حلب وباعه والده بثمن بخس كي يصبح ترجمان السلطان المخلوع جم؟
هذا لم يحدث في كتب التاريخ، لكنك أحدثه في نصك، يالقوة قلمك، تخلف تاريخا أمام التاريخ؟
افتعلت حكاية في ظلال ما وجد، دققت من الصراعات التي حدثت إبان نهوض الدولة العثمانية وسقوط الأندلس مسرحا ضخما ورسمت خارطة وسافرت بجرمانوس المسكين البلدان والبحار، متنقلا مغلوبا دون حول ولا قوة من مدينة حلب، التي يعيش فيها المسلمون واليهود داخل الأسوار، وهو المسيحي الذي ينتمي لأب مسيحي وأم تركية مسلمة خارج السور، لأن والده أخفى إسلام والدته، ولأنه عاش طفولته في هذا المأزق حفظ القرآن والإنجيل، وتعلم العربية والتركية، وأصبح مهوسا بتعلم اللغات، رأى في تعلمها خلاصا أو قوة تكسو ضعفه وتستره! بعد عملية بيع والده الأولى زاعما حمايته من التجنيد ليكون سخرة في مزرعة يزرع ويحصد لرب عمل يجلد من يتمرد ولا يستطيع فرارا لقانون جزيرة قبرص إلى (الماغوصة).
ويتعلم الإيطالية من ابنة صاحب المزرعة في أشهر معدودة، ليهرب لدير كاثوليكي لاتيني وهو الارثوذكسي الشرقي ليتنسك ويقرأ، ويتعلم الفرنسية، ليجد الأقدار أو حكاياته أو طريقة تعيده لأبيه في حلب ليبيعه مرة أخرى، وهذه المرة للسلطان العثماني المخلوع جم! وبهذا يكون ترجماننا المغلوب الذي لا يجيد أخذ القرارات الحاسمة، ولا يتمتع بشخصية مستقلة، بميله المثقل في نفسه للاتباع، رغم كل محاولاته للفرار وللاستقلال، يجد مأزقا تلو الآخر يدفعه للهرب أو محاولة الحصول على المال، كيف يحيى عقل يحمل أربع لغات، وكما من المعارف الإسلامية والمسيحية، وعاش مع اليهود وعرف طباعهم وأعمالهم، في قلب صراعاتهم وحروبهم، والمسلمون يوسعون أراضيهم دفاعا عن دينهم، والمسيحون يحاربون لتوسيع أراضيهم وإزاحة المسلمين واليهود من طريقهم، واليهود يجنون ما أمكنهم من تجارة، ويطردون وينفون من المسيحيين، ويستضافون لدى المسلمين! والسياسة تعمل في طريق والشعوب في طريق، السلاطين والأباطرة والملوك يقتلون، والمجتمعات تعمل معا تتجاور، إلى أن تصل إلى حد الاستنزاف ترهق اقتصاديا ومعنويا فتصنع من الآخر عدوا بعد أن كان جارا أو صديقا.
هذا وكل معارف جرما لم تنجه ولم تسعفه، ولم تقده للحرية التي اشتهاها منذ أن شب ليباع سخرة في مزرعة!
سرديتك اثخنتنا بالضعف والهشاشة، يالبؤس الإنسان الذي يحمل المعارف ولا يجيد الاستفادة منها، جرما في كل انتقال له وكل عودة أجبره أحدهم أو أخبره أحدهم أن يفعل ففعل، لا يملك من أمره شيئا، كان يكفيه حديث مع قس في الكنيسة الغربية لينتقل لها من كنيسته الشرقية! وذهبت بعيدا بنا أبعد من ذلك حين كشفت أن الإيمان نفسه قابل لأن يتحول إلى أداة ضغط على أقل تقدير وأداة حرب في أقصاها، حين يقول له القس: «هل تظن أن كل ما حدث لم يكن مقدرا عن الرب؟ هل تظن أن هروبك من هؤلاء السراسنه ولجوءك إلى كنيستنا محض صدفه» فيتحول جرمانوس المتخاذل الخانع ضعيف الإرداة من كنيسته الارثوذكسية الشرقية إلى الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية الغربية، وكان يكفيه طالب فنون جاء يتعلم الرسم في روما، أن يقول له اترك السلطان المخلوع السجين، «أنت سجين عند سجين»، أنجو بنفسك وسافر ففعل، ولم ينس أن يستأذن السجين الذي يسجنه! فهو الذي قال «أنا من حاشية السلطان التي لا يحق لأحد أن يدخل فيها إلا مدعوا، أو يخرج منها إلا مطرودا»
رغم المفارقة التي زادت الصراع تأزما في تشابه أقدار السلطان جم وجرمانوس الترجمان في النقل والسفر والترحال والإرغام عليه والحبس الخفي في ظاهر استضافة حين قام الأوروبيون بسجن المخلوع المغلوب على أمره من قلعة لأخرى ليضمنوا عدم استرجاعه لمكانته وقوته خوفا من احتمالية غزوهم وسلب أراضيهم بادعاء محبته وصداقته، مخلفا أهله وأبناءه وبلاده، بقي جرمانوس معلقا لا أرض له لا قرار له، حتى في فترة عمله مع المحكمة الكاثوليكية ترجمانا لم يعبأ أحد بما يحل به، غريبا في كل مدينة يطأها، في كل عمل يحمل مسؤوليته، خانع متخاذل عن نفسه!
في هذا العالم المتشابك وضع جرمانوس المغلوب على أمره بحياته الملتبسة، لا يحسب على أحد ولا يقبل بالكامل في أي جهة. شكله، لغته، تاريخه، كلها أس باب كافية ليكون موضع شك دائم. ليس مسلما خالصا رغم أن والدته تركية مسلمة وعلمته القرآن واللغة التركية ولا مسيحيا مستقرا رغم أن والده مسيحي وعلمه العربية، ولا يهوديا رغم أنهم جيرانه وأهل مدينته (حلب)، جرما المسكين مرآة لإنسان يعيش في عالم تفرض عليه هوياته، وترسم له طرقه، ثم يسأل لماذا لم يكن حرا. إن ما كتبته يا دكتور ليس عن العثمانيين ولا عن الأندلس ولا عن اللغات والترجمة والديانات، بل عن إنسان يعرف كثيرا ويفهم كثيرا، لكنه لا يملك من أمره شيئا، أقرب إلى السجناء منه إلى الأحرار، لا يعرف من هو، ولا يعرف ماذا يريد؟ وتركتنا نسأل من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف علينا أن نتعامل مع الآخر؟
** **
- آمنة صدقي بوخمسين