ما الزمن إلا سلسلة من ظِلَالٍ تتصارع وبينها يعيشُ الإنسان، فالماضي ظِلٌّ يثقل خطواتك أينما مضيت، لا يفارقك حتى إنْ ظننتَ أنَّكَ تجاوزته، إِنَّهُ ما يسميه نيتشه «العبء الثقيل»، والمستقبل ظِلٌّ لا يملك جسدًا، يلوح لك بأمل دائم لكنه يظَلُّ مراوغًا، والحاضر ظِلٌّ يتبخر لحظة أنْ تلتفتَ إليه!
فإنْ كان الإنسان يعيشُ بين ماضٍ ومستقبلٍ.. فأين الحاضر من حياته؟
هو كما أشار أوغسطين في حديثه عن الزمن: «إنْ لم يسألني عنه أحد، فأنا أعرفه، وإنْ أردت أنْ أفسره للسائلين لم أعرفه». وهذه الحيرة ليست إلا إشارة إلى أنَّ الزمن يتفلّت من القبض لحظة التأمل فيه، وكأن الحاضر الذي يفترض أنْ يكون موضع السُكنى، لا يظهر إلا كوميض آنٍ، يختفي في اللحظة ذاتها التي يولد فيها! لأنَّهُ لا يُدرك إلا بوصفه انقضاء، لا بصفته إقامة. والإنسان -كما يرى هايدغر- ليسَ كائنًا مقيمًا في حاضرٍ مستقر، بل «كائن نحو الموت» تشده جذور الماضي وتستدرجه إمكانات المستقبل.
إِنَّنا نحاصر بين زمنين، ماضٍ يُثقل بخطاياه وذكرياته، ومستقبلٍ يُغري بآماله وأوهامه، بينما الحاضر يُفْلِتُ منا! إِنَّهُ بمعنى قول جاك دريدا: «أثرٌ لا يدل على حضور كامل، بل يحتوي على آثارٍ لعناصر غائبة تشكل معناه وتؤجله». هو حضورٌ لا يوصف إلا كظِلّ، وأزمنة لا تمنح إلا على شكلِ آثارٍ تتناوبُ على تمزيقِك، الماضي لا يُنهي سطوته، المستقبل لا يُنجز وعده، الحاضر لا يُقيم حضوره.
وفي النهاية، ما يبقى هو «الأزْمَة»، إِنَّها أزْمَةُ الظِلَال حيث يتحول الزمن كله إلى انعكاسٍ بلا أصل، ووجودك إلى أثرٍ مؤجل لشيء..
ولكن، خلف هذا الحصار الزمني وتلك الظِلال التي تبدو قدرًا محتومًا، تكمنُ الحقيقة التي يغفلُ عنها الكثيرون؛ لأنَّ هذه الأزْمَة هي انعكاسٌ لشتاتِ الروح في ظِلال الأزمنة، وإنَّ التحرر من سطوة الماضي وقلق المستقبل للالتفاف إلى الحاضر يبدأ في اللحظة التي تقررُ فيها الكفَّ عن النظر إلى الخارج من يديك. فما بدا لك أنَّهُ «أزْمَة»، هو في الحقيقة مأزق الوعي الذي لم يستيقظ بعد! وكأن عُبيد بن الأبرص اختصرَ صراعك مع هذه الأزْمَة، في قوله:
لا يَعِظُ النَّاسُ مَنْ لا يَعِظُ
الدْهْرُ ولا يَنْفَعُ التَّلْبِيبُ
فالزمن قدم لك دروسه في مآسي الماضي، وغيبية المستقبل، وأي محاولات التوجيه أو الحلول الآتية من الخارج، لن تجدي نفعًا ما لم يأتِ الزجرُ من داخلك؛ لأنَّ وعيك بالمشكلة هو «الواعظُ» الوحيد القادر على فك قيود الظِلال، فحين تعظُ نفسك وتواجه حقيقة وجودك، يتوقف الزمنُ عن كونه «أزْمَة».
** **
- عبد الرحمن فالح البلوي