هل انتهت الصحوة حقًا، أم غيّرت زيّها فقط؟
هل غادرت المشهد، أم بدّلت خطابها واحتفظت ببنيتها؟
أطرح هذا السؤال لأن ما يتسرّب اليوم في بعض خطابنا الثقافي يشبه – على نحو مقلق – آليات عرفناها جيدًا وإن اختلفت الأزياء والعناوين.
فالصحوة في طورها المعروف لم تكن مجرد خطاب ديني فحسب؛ ولكنها بنية في التفكير: تحتكر التعريف، وتحمي الأسماء، وتستدعي السلطة حين تضيق بالحجة، وتدير الخلاف كمعركة مقدّسة على الولاء لا على البرهان، وحين كانت التيار الأبرز، والأقوى بتعبير أدق، مارست أدواتها كاملة؛ من الإقصاء، وصناعة الهالات، إلى تشويه الخصوم...
هذه الصفحة الاجتماعية طُويت إلى حدّ كبير ولله الحمد، غير أن السؤال كما أراه يجب أن يكون: هل غادرت هذه البنية عقلنا الثقافي فعلًا، أم خرجت من الباب الديني وعادت من النافذة الثقافية؟ لأن الخطر اليوم ليس في «انتصار الحداثة» ولا في «عودة التراث» وإنما في استمرار الآلية نفسها: فكرة ترفض السؤال، واسم يُراد له أن يعلو على النقد، ومفهوم يتحول إلى راية، وخلاف معرفي يُدفع به إلى ميدان الشرعية، فإذا فعل ذلك المحافظ فهو صحوي عتيق وإذا فعله الحداثي فهو صحوي ببرنيطة.
ومن هنا تبدو بعض العبارات مقلقة: «وزارة الثقافة انتصرت للحداثة» أو «تصالح الحداثة مع التراث» فهذه ليست لغة تحليل، ولكن لغة استعداء ناعمة؛ تُحمّل المؤسسة الثقافية ما ليس من شأنها: أن ترجّح تيارًا على آخر، أو تمنح الشرعية لمفهوم ضد مفهوم، ثم إن هذه العناوين مضطربة في أصلها؛ بمعنى ما «الحداثة» التي يقال إنها انتصرت؟ وما «التراث» الذي يقال إنها تصالحت معه؟ نحن أمام مفهومين كبيرين، متشعبين، لا يُقبض عليهما بعبارة واحدة؛ فالحداثة ليست مذهبًا واحدًا، وإنما تيارات متباينة ومتناقضة أحيانًا، والتراث ليس كتلة صماء؛ وإنما طبقات من النصوص والمناهج والرؤى، والحديث عن «انتصار» أحدهما على الآخر – بصيغة إجمالية – إجمال يضلل أكثر مما يوضح، وقد سبق أن نبّهتُ إلى هذا الخلط في مقالة «الكُلّ والكُلّيّ: كيف نسيء فهم التراث والحداثة» إذ إن تحويل المفاهيم الكبرى إلى كيانات صلبة يفضي إلى إساءة الفهم وبطبيعة الحال إلى إساءة الحكم.
وفي الجدل الأخير حول أدونيس ظهر الوجه نفسه؛ انصرف بعض النقاش من الفكرة إلى الشخص: هذا يدافع عنه لأنه أدونيس، وذاك يشمت به لأنه أدونيس، وبين الحماية والشماتة ضاع لبّ الموضوع: حين يتحدث عن معيار في الشعر، فما هذا المعيار؟ وهل هو ضابط قابل للفحص أم دعوة عامة إلى الضبط بلا ضابط؟
ينبغي هنا أن نكون عادلين وصارمين في آن؛ لا نلغي أدونيس لأنه راجع أو سأل ولا نعصمه لأنه أدونيس، وعمقه في التراث لا يمنحه حصانة ومكانته في الشعر لا تجعل قوله حُجة الزمان المعصومة، فالفكرة يا سادة لا تكتسب عصمتها من قائلها ولا من تاريخها ولا من شعبيتها؛ هي لم تجاهد في بلاد ما وراء النهر ولم تتصعّد في السماء حبلى بالمجرات؛ هي فكرة بشرية تُفحص بقدر ما تُطرح وتُقبل بقدر ما تُحاجج.
والحق ليست القضية عندي أدونيس وحده، المسألة أن بعضنا لا يزال يريد رموزًا لا تُسأل، فالمحافظ يحمي رمزه باسم الهوية، والحداثي يحمي رمزه باسم التقدم، والآلية الصحويّة واحدة: الولاء قبل الفحص، والمكانة قبل الحجة، والانتماء قبل السؤال.
ونحن في الثقافة السعودية لا ننتقل ببساطة من محافظة إلى حداثة، ولكن من إجماع قسري إلى تعددية لم تنظّم أدواتها بعد، وفي هذه اللحظات تظهر أسوأ «غرائز» التيارات: خوف المحافظ من الانفلات، ووصاية الحداثي باسم التحرر، لذلك أجد أننا أشد ما نكون إلى يقظة منهجية، لا إلى صحوة جديدة تزعم أنها تراثية أو تظن أنها حداثية.
والدرس الأول في هذه اليقظة هو السؤال.
السؤال قبل أن نضع على رأس الفكرة شماغ بلا عقال أو برنيطة باريسية مائلة.
** **
أسامة بن يحيى الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر