أن تعيش دور الأم الرحوم في تعاملك مع الآخرين، فتؤثرهم على نفسك وراحتك وصحتك في بعض الأحيان حتى! فتسأل عنهم إن غابوا، وتتقدم جبهة العائدين إن مرضوا، وتواسيهم إن حزنوا، وتكفكف دمعهم إن أجهشوا بالبكاء، وتقدّم لهم نصائح محب خاض في الحياة معتركات ضارية انتهت بسحقه فتعلّم منها بعد أن بذل دم قلبه فيها، فتُخرج النصيحة مغلفة بقرطاس حب نابع من قلب صادق صافٍ ليختصر طريق العناء أمامهم في سني العجاف، وتهبهم وقتك الثمين تسمع شكواهم وتهدّئ روع ثكلاهم، وتسقي قلوب المفجوعين بأحبابهم -على الرغم مما يعصف قلبك من هم وحزن- ماء السكينة والطمأنينة الزلال، وتقف معهم في شدتهم قبل فرحتهم، وتشاركهم حلو الذكريات ومرها، وتملأ روحهم بشلالات فأل ما إن تُنهي حديثك إلا وينفجر عرق منها لينتشر كالبرق يروي روح كل خلية في أجسادهم فينطلقوا كالغزلان يعدون في المراعي كأن لم ينادوا إلى ضر مسهم!
ثم بعد هذا تُصبك نازلة فتذرك طريح الفراش، فلا تُعاد، ولا تُواسى، ولا يُسأل عنك، ولا تُوهب دقائق ليُسمع إلى ما عصف بقلبك، تقضي ساعاتك وحيدًا لا يشاركك أحد ألمك، ولا يعلم أحد بحالك، يفتك الهم جسدك وتنهش الآلام روحك، وتُسابق عبراتك عباراتك لتحفر على الخدين أنهار وجع متدفقة أبلغ من ألف كلمة يخطها القلم، ويُفضي بها اللسان فلا يدري بك أحد! إني أفهم مرارة شعورك الذي تحس به، واعلم حجم الخيبة التي نخرت روحك وتجذّرت في أعماق معسكرات اليأس والظلام؛ فكبّلتك وشلّت حركتك وصيّرتك أبدًا أسير زنزانة اليأس والظلام، منزويا خلف قضبان الانكسار وحدك تنتظر جلسة محاكمة النور والأمل مع أحدهم؛ لتفرّج عن بعض تساؤلاتك التي قتلتك وحيّرتك ولطمتك بأمواج موت أقرب منها للحياة، وأحس قدر الهزيمة والخيبة اللتين تعتريان قلبك؛ فلا تبتئس! كم من مجهول في الأرض معروف في السماء! وهذا وحده وسام شرف عليه أن يزاحم كل الأوسمة ليعتلي قمة صدر الهم والكدر فينسفه!
** **
- لطيفة السكيت