حاورته - سارة العَمري:
يمضي المشهد الثقافي في السعودية في مرحلة مختلفة، اتسعت فيها مساحة الثقافة داخل التنمية، وارتفع حضورها في المجتمع، وصارت أقرب إلى مشروع ممتد يلامس الإنسان والمكان والهوية، ومن هذا التحول يبرز دور القطاع غير الربحي، ومعه الجمعيات الثقافية الأهلية التي تتحرك داخل المجتمع وتقترب من تفاصيله اليومية.
في هذا الحوار مع «الجزيرة»، يفتح الرئيس التنفيذي لمجلس الجمعيات الأهلية الأستاذ عبدالمجيد الدهمشي ملف الأثر الثقافي، ويتحدث عن الفرق بين النجاح الإعلامي والتحول الحقيقي، وعن شروط الاستدامة، ودور الرؤية الاستراتيجية، وأهمية تمكين الجمعيات الثقافية حتى تتحول إلى قطاع منظم قادر على صناعة أثر طويل المدى.
* يشهد القطاع الثقافي في السعودية تحولاً في بنيته المؤسسية وأدواره التنموية؛ برأيكم ما الذي تغيّر فعلياً في طريقة النظر إلى الثقافة اليوم؟
ما تغيّر فعليًا هو انتقال الثقافة في السعودية من نشاط محدود النطاق أو ممارسة مرتبطة بالمناسبات إلى قطاع استراتيجي له أثر مباشر في التنمية الوطنية، فاليوم تُعد الثقافة مكوّنًا من مكونات الهوية السعودية، وأداة لتعزيز جودة الحياة، ومحركًا للاقتصاد الإبداعي، ورافدًا من روافد قوتها الناعمة.
وشكّل تأسيس وزارة الثقافة نقطة تحول مهمة؛ إذ انتقل العمل الثقافي إلى مرحلة أكثر تخصصًا وتنظيمًا، عبر هيئات متخصصة لكل مسار ثقافي، وسياسات وبرامج تستهدف بناء البيئة الممكنة للمبدعين والمؤسسات والمبادرات.
كما أصبحت الثقافة جزءًا من التخطيط التنموي الشامل؛ فهي ترتبط بالسياحة والتعليم والاقتصاد وتمكين الشباب وتعزيز الصورة الذهنية للمملكة عالميًا، لذلك نحن أمام مرحلة تحولت فيها الثقافة إلى استثمار في الإنسان والمكان ومستقبل الوطن.
* يتكرر مصطلح «الأثر الثقافي» في الخطاب الثقافي اليوم؛ كيف يمكن تعريفه بصورة دقيقة يمكن قياسها وتقييمها؟
الأثر الثقافي يمكن تعريفه بالتغيير المستدام الذي تتركه المبادرة الثقافية في الفرد أو المجتمع بعد انتهاء النشاط، ولا يقاس بعدد الحضور أو حجم التفاعل الإعلامي، وإنما بما يبقى بعد ذلك من معرفة أو سلوك أو ارتباط بالهوية أو فرص اقتصادية أو مشاركة مجتمعية، فعندما تسهم مبادرة ثقافية في رفع معدلات القراءة، أو تعزيز الاعتزاز بالموروث المحلي، أو تنشيط الحراك السياحي والإبداعي في مدينة ما، فهذا أثر ثقافي حقيقي.
ولقياس هذا الأثر نحتاج إلى مؤشرات متعددة، منها مستوى المشاركة المجتمعية المستمرة، والتغير في السلوك أو الاهتمام الثقافي، ونمو المبادرات المرتبطة بالمجال نفسه، وفرص العمل أو القيمة الاقتصادية الناتجة، واستدامة المشروع وتحوله إلى ممارسة مستمرة، وبمعنى آخر، النشاط يقيس الحدث، بينما الأثر يقيس ما تغيّر بعد الحدث.
* ما الفرق بين النجاح الإعلامي للمبادرة الثقافية وبين الأثر الحقيقي الذي تتركه في المجتمع؟
النجاح الإعلامي مهم، ويمثل مرحلة الظهور والانتباه، ولا يعني بالضرورة مرحلة التحول، ويقاس عادةً بمؤشرات مثل التغطية الإعلامية والوصول والتفاعل وعدد الحضور، أما الأثر الحقيقي فيظهر بعد ذلك: هل غيّرت المبادرة سلوكًا؟ هل رفعت الوعي؟ هل خلقت ممارسة مستمرة؟ هل أوجدت فرصًا جديدة؟ هل أسهمت في تعزيز الانتماء والهوية؟ قد تتصدر مبادرة المشهد ليومين أو أسبوع، دون أن تترك أثرًا طويل المدى وفي المقابل، قد تكون هناك مبادرات أقل صخبًا إعلاميًا وأكثر عمقًا وتأثيرًا في المجتمع، فالإعلام يصنع الزخم، بينما الأثر يصنع التحول، والمبادرة الناجحة تجمع بين الاثنين.
* كثير من المشاريع الثقافية تبدأ بحضور لافت لكنها لا تستمر طويلاً؛ ما الذي يحوّل المبادرة من فعالية مؤقتة إلى مشروع مؤسسي مستدام؟
التحول من فعالية مؤقتة إلى مشروع مؤسسي لا يتحقق بالانطلاقة القوية وحدها، ويتحقق عندما تنتقل المبادرة من منطق التنفيذ إلى البناء المؤسسي، ويتطلب ذلك عدة عناصر: رؤية واضحة تجيب عن سؤال لماذا وُجدت المبادرة وما أثرها المستهدف، ونموذج تشغيل مستدام يشمل فريق العمل والأدوار والحوكمة
وخطط التشغيل، وتنوع الموارد حتى لا ترتبط المبادرة بتمويل مؤقت أو ظرف طارئ، إلى جانب قياس دوري للأثر بهدف تطوير المبادرة وتحسينها، وبناء شراكات استراتيجية مع جهات حكومية أو خاصة أو أهلية، فالمشاريع التي تستمر هي الأكثر قدرة على تحويل الإبداع إلى منظومة عمل مستقرة وقابلة للنمو.
* تحدثتم عن أهمية التوازن بين الأثر والاستدامة في المشاريع الثقافية غير الربحية؛ كيف يمكن تحقيق هذا التوازن عملياً داخل المبادرات الثقافية؟
تحقيق التوازن يعني ألا تنشغل المبادرة بإبهار اللحظة، ولا تنشغل بالبقاء الإداري دون أثر حقيقي، المطلوب الجمع بين القيمة المجتمعية والاستمرارية المؤسسية، ويبدأ ذلك من مرحلة التصميم عبر خطوات واضحة، منها تحديد أثر يمكن تحقيقه وقياسه، وتصميم برامج قابلة للتكرار والتوسع، وبناء نموذج تمويلي متنوع، وإدارة الموارد بكفاءة، والاستثمار في الكفاءات والمتطوعين، ومراجعة الأداء وتطويره دوريًا، وعندما تُصمَّم المبادرة برنامجًا مستمرًا، يصبح الأثر أعمق وتغدو الاستدامة أكثر واقعية.
* إلى أي مدى تلعب الرؤية الاستراتيجية دوراً في نجاح العمل الثقافي، وهل تعاني بعض المؤسسات من غياب هذا البعد في التخطيط؟
الرؤية الاستراتيجية تصنع الفارق بين نشاط متفرق ومنظومة مؤثرة، فهي تجيب عن الأسئلة الكبرى: لماذا نعمل؟ ما الأولويات؟ أين نريد الوصول؟ وكيف نقيس النجاح؟ من دون رؤية واضحة تتحول الجهود الثقافية إلى مبادرات منفصلة لا يجمعها مسار واحد، وقد تُستهلك الموارد في أعمال جيدة غير مترابطة، فبعض المؤسسات تعاني غياب هذا البعد، فتكرر المبادرات دون تراكم حقيقي في الأثر، بينما المؤسسات التي تمتلك رؤية واضحة تبني مشروعًا ثقافيًا ممتدًا لا يقتصر على رزنامة فعاليات، حيث تغدو الرؤية هي الإطار الذي يمنح العمل معناه واتجاهه واستمراريته.
* كيف يمكن الانتقال بالمجتمع من موقع المتلقي للأنشطة الثقافية إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الثقافي؟
الانتقال يبدأ عندما تتغير طريقة التفكير من «ماذا سنقدم للناس؟» إلى «كيف نصنع الثقافة مع الناس؟»، فالمجتمع لا يُنظر إليه جمهورًا فقط، إنما شريك يمتلك أفكارًا ومواهب وتجارب وذاكرة محلية وطاقة إبداعية، ويتحقق ذلك عبر إشراك المجتمع في تصميم المبادرات، ودعم المبادرات الفردية والمحلية، وتمكين المتطوعين والمواهب، وفتح منصات للمشاركة والإنتاج الثقافي، ودعم المتاحف والمبادرات المجتمعية والفرق المحلية، فعندما يشعر الفرد أن له مكانًا في المشهد الثقافي يتحول من متلقٍ إلى مساهم، ومن جمهور إلى شريك.
* ما القيمة التي يمكن أن تضيفها الجمعيات الثقافية الأهلية إلى المشهد الثقافي مقارنة بالكيانات الثقافية التقليدية؟
الجمعيات الثقافية الأهلية تمتلك ميزة جوهرية تتمثل في قربها من المجتمع، فهي تعمل داخل النسيج الاجتماعي، وتفهم احتياجات الناس، وتتحرك بمرونة أعلى، وتصل إلى تفاصيل قد لا تصل إليها الجهات الكبرى، ومن أبرز ما تضيفه سرعة الاستجابة للمبادرات المحلية، واكتشاف المواهب وتمكينها، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتنشيط الثقافة في المدن والمحافظات الصغيرة، وتحويل الثقافة إلى ممارسة يومية قريبة من الناس، وهذا الدور يتكامل مع دور الجهات الرسمية والكيانات الكبرى؛ فالجهات الكبرى تضع السياسات وتمكّن البيئة، والجمعيات تنقل ذلك إلى المجتمع بصورة حية ومباشرة.
* كيف يمكن للجمعيات الثقافية الأهلية أن تتحول إلى أذرع تنفيذية تدعم مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة وتخدم خصوصية المناطق ثقافياً؟
الجمعيات الثقافية في جوهرها مؤهلة لتكون شريكًا تنفيذيًا مهمًا، وتحتاج إلى جاهزية مؤسسية، وخطط تشغيل واضحة، وحوكمة فعالة، وفهم لخصوصية المنطقة، وارتباط بمؤشرات الاستراتيجية الوطنية، فالسعودية تتميز بتنوع ثقافي واسع، ولا يمكن اعتماد نموذج واحد للجميع؛ فلكل منطقة إرثها واحتياجها وفرصها، والجمعية الناجحة تربط المستهدف الوطني بالهوية المحلية، وتخدم الوطن عبر خدمة خصوصية المكان.
* بصفتكم رئيساً تنفيذياً لمجلس الجمعيات الأهلية، كيف يعمل المجلس على تمكين الجمعيات الثقافية وبناء قدراتها المؤسسية لتكون قادرة على صناعة أثر ثقافي مستدام؟
يقوم مجلس الجمعيات الأهلية على ثلاثة أدوار رئيسية: التمكين والتنسيق والتمثيل، وفي جانب التمكين نعمل على دعم الجمعيات في الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع وتنمية الموارد وقياس الأثر وبناء القدرات البشرية، وفي جانب التنسيق نربط الجمعيات ضمن منظومة متكاملة عبر المجالس الفرعية والتخصصية بهدف تبادل الخبرات وتقليل التكرار وتعظيم الشراكات، أما في جانب التمثيل فننقل احتياجات الجمعيات وتحدياتها إلى الجهات ذات العلاقة ونعمل على تعزيز حضورها داخل المشهد الوطني، بهدف أن تتحول الجمعيات الثقافية من مبادرات متفرقة إلى قطاع أهلي منظم قادر على صناعة أثر مستدام.
* كيف يمكن قياس أثر الجمعيات الثقافية الأهلية، وهل هناك توجه لإنشاء منصة توثق أعمالها وتبرز إسهامها في المشهد الثقافي؟
يقيس مجلس الجمعيات الأهلية الأثر عبر ثلاثة مستويات: المشاركة، أي من شارك وهل اتسعت دائرة المستفيدين؛ والتغيير، أي ما الذي تغير في المعرفة أو السلوك أو المشاركة؛ والاستدامة، أي ما الذي استمر بعد انتهاء النشاط، وفي جانب التوثيق تبرز أهمية تطوير منصات رقمية توثق أعمال الجمعيات وتبرز أثرها وتوفر بيانات تساعد في اتخاذ القرار، وجود هذه المنصات ينقل القطاع من مرحلة الانطباعات إلى مرحلة الأدلة والقياس الحقيقي، وهناك فرصة تاريخية لصناعة أثر يتجاوز حدود المبادرات.
* ذكرتم أن القطاع الثقافي غير الربحي يملك فرصة تاريخية لصناعة أثر يتجاوز حدود المبادرات؛ كيف يمكن لهذا القطاع أن يسهم في بناء الإنسان وتعزيز الوعي الثقافي في المجتمع؟
القطاع الثقافي غير الربحي يمتلك ميزة جوهرية تتمثل في قربه من المجتمع وقدرته على الوصول إلى فئات متعددة بلغة محلية وإنسانية مباشرة، ويمكنه الإسهام في بناء الإنسان عبر تعزيز الهوية والانتماء، واكتشاف المواهب وتنميتها، ونشر القراءة والمعرفة، ودعم المبادرات الشبابية، وصناعة مساحات للحوار والإبداع، وجعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية، والقيمة الكبرى لهذا القطاع تتشكل بالتراكم؛ تبدأ بمبادرة صغيرة وتبني وعيًا يمتد أثره لسنوات.
* ما أبرز التحديات التي تواجه القطاع الثقافي غير الربحي في طريقه نحو تحقيق أثر ثقافي مستدام؟
أبرز التحديات تشمل الاستدامة المالية، ونقص الكفاءات المتخصصة، وضعف أدوات قياس الأثر، والحاجة إلى نماذج تشغيل احترافية، وتفاوت جاهزية الجمعيات، وتنوع الاحتياج الثقافي بين المناطق، والتحدي الثقافي تحديدًا أن أثره غالبًا تراكمي وغير فوري، ما يتطلب صبرًا واستثمارًا طويل المدى، ونتعامل مع هذه التحديات على أنها فرص تطوير، ونعمل على معالجتها عبر التمكين ورفع الجاهزية وتعزيز التكامل الوطني.
* لو أردنا بعد عشر سنوات أن نقيس نجاح القطاع الثقافي غير الربحي في السعودية، ما المؤشر الحقيقي الذي يجب أن نقف عنده لنقول: إن هذا القطاع نجح في صناعة أثره؟
نؤمن في مجلس الجمعيات الأهلية بأن المؤشرات التي تقود الأثر في القطاع الثقافي غير الربحي تتجلى في عدة أسئلة: هل أصبحت الثقافة جزءًا من الحياة اليومية؟ وهل اتسعت المشاركة المجتمعية في إنتاجها؟ وهل ظهرت جمعيات ثقافية قوية ومستدامة؟ وهل انعكس الأثر على جودة الحياة؟ وهل نشأ محتوى سعودي يعكس تنوع المناطق؟ وهل أصبحت الثقافة رافدًا اقتصاديًا وقوة ناعمة؟
يقدم هذا الحوار قراءة لدور الثقافة في السعودية اليوم، وللمساحة التي يتقدم إليها القطاع غير الربحي في هذا التحول، وفي حديثه يؤكد عبدالمجيد الدهمشي أن الأثر الثقافي يرتبط بالاستدامة وبالمجتمع وبالهوية، ويشير إلى أن المرحلة المقبلة تضع الجمعيات الثقافية الأهلية أمام مسؤولية أكبر في تنشيط الحياة الثقافية وتوسيع المشاركة المجتمعية وصناعة حضور ثقافي يمتد أثره في الوعي وفي التنمية.