من «فتنة الثقافة» (2023م) إلى «فتنة القراءة» (دار أدب للنشر والتوزيع، ط1، 2026م، 146ص)، يتتبَّع الأديب والإعلامي علي فايع الألمعي هذه الفتنة؛ ليرصد جوانب من فعلها السَّاحر وأثرها الممتد في علاقة الكاتب بالكتاب، ولحظات اكتشافه لتلك الفتنة، وكيف غيَّرت مجرى حياته وساقته إلى عوالمها المدهشة، وآفاقها العذبة، وفتنتها المزمنة التي ملكت شغاف عقله، وأودت به في أودية العشق مفتونًا بها ومشغوفًا بأسرارها التي تقوده إلى فضاءاتها الواسعة وخيالاتها الكبيرة وواقعها المرسوم بحبر الدهشة وأقلام البيان.
إنه يرصد النظرةَ الأولى لبداية حبٍّ أبدي، نظرة تملأ العقول جمالًا، وتسلب الألباب دلالًا، تلك النظرة التي تتمثل في اكتشاف «فتنة القراءة» الأولى، حيث تأتي في غلاف كتاب يشدُّ قلبًا خاليًا، فيتمكَّن من دهشته، أو في كتاب نُزع غلافه وبقيت أوراقه بلا عنوان، فيثير ذلك فضول القارئ لمعرفة سرّ هذا الكتاب ومحتواه، فيغرق في لذّة الاكتشاف، ومن بعدها يقع في فتنة لا تنتهي. أو في مجلَّة تثيرهُ صورُها فيطالعها، فإذا بها تفتح شهية لوعته للبحث عن المزيد وقراءة الكثير من المجلات والصُّحف والكُتب.
وقد تتمثَّل الفتنة في لحظة حرمان يملأ فراغَها كتابٌ ما، يحوِّل ذلك الخواء إلى امتلاء، ثم يقود صاحبه إلى آفاق المعرفة والعلم، وعوالم الأدب والكتابة.
إنها رحلةٌ مُدهشةٌ مع فتنة القراءة، خاضها الكاتب الحصيف المفتون علي فايع مع أربعة وسبعين مفتونًا ومفتونة: (9) من الغرب، ابتداءً بالأرجنتيني الكندي «ألبرتو مانغويل»، ومعه ثمانية من الكتَّاب والكاتبات، و(44) كاتبًا عربيًّا من مصر والعراق وسوريا وفلسطين واليمن والبحرين والمغرب ولبنان والسودان، و(21) كاتبًا سعوديًّا. ولم يكتفِ القارئ/الكاتب علي فايع بقراءة ما كتبوه في مذكراتهم أو سيرهم أو لقاءاتهم عن علاقتهم بالقراءة، بل وجَّه إليهم أسئلةً محدَّدة عن لحظة الفتنة الأولى والافتتان، ومتى كانت القراءةُ التي غيَّرت مسار حياتهم، وما نوعها؟ فجاءته ردودهم المتنوعة والمدهشة، وكان ينقلها، ويعلِّق عليها، ويمهِّد الحديث لها في نسيج الكتاب المتفرِّد بالبناء المتناغم والعرض السلس، في فصوله الأربعة التي بدأها بمدخل عام، وأنهاها بمخرج مركَّز، وكأننا دخلنا إلى فضاء هذه الدهشة، فعشنا في قلاعها وأروقتها وساحاتها وتفاصيل أحداثها؛ حيث كلُّ كتابٍ التقطَ مفتونًا، وكل مفتونٍ اختطفه كتاب إلى هذه المدينة القارئة، والجنَّة الخلَّابة، فصار لزامًا أن يُعرِّف كلُّ كاتب بكتابه، وتُدعى كلُّ نفسٍ فُتنت بفاتنها.
وبين الأوجاع اللذيذة والمسرات السعيدة يجعلك كتاب الفتنة هذا تردِّد مع الكاتب، ومع استشهاداته ونصوصه الموازية والمقتبسة، الكثيرَ من التأملات، وتقف عند العديد من الأقوال التي تشبه الحِكم، فيحملك المدخلُ مع «فرانسيس بيكون» إلى أن «بعض الكتب وُجدَ لكيما يُذاق، وبعضها لكيما يُبتلع، والبعض القليل لكيما يُمضغ ويُهضم». فنحن إذن أمام وجبة دسمة تدخل العقول من خلال جهاز البصر وفعل القراءة؛ لنبحث عمَّا يستحقّ المضغ الجيد والهضم.
ثم تبدأ الرحلة بفصلها الأول و«تجربتها التي تُعاش»، فيرصد المؤلفُ مع أصدقاء الفتنة تفاصيل السير، ويرتب عدَّة الرحلة منذ أن تتحوّل القراءة من فضول أوَّلي واكتشاف - بعضه غير مقصود وبعضه تسيِّره الصدفة - إلى شغفٍ، ومن شغف إلى التزام قد يبلغ حدَّ التضحية؛ فقد يُنصح القارئ بأن يبيع ثيابَه ليشتري كتابًا، ويعرض تجارب المحبة التي تقود إلى التضحية، وما أكثرها، تمامًا كما يضحِّي الحبيبُ المفتونُ بالغالي والرخيص من أجل من يحبُّ. ثم يسرد قصصًا كثيرة من تلك التضحيات في سبيل القراءة وامتلاك الكتاب.
وما نلبث أن ندخل معه في تفاصيل «البذور والجذور»، حيث تغدو القراءةُ فعلًا من أفعال الحياة الخاصَّة، ونشاطًا يوميًّا من أنشطة المفتونين بها، فيصف البدايات واللقاء الأول بالكتاب وبفعل القراءة، فنرى ونسمع ونقرأ الكثير من التجارب والطرائف والصُّدف. فيقود هذا القارئَ كتابُ «النَّظرات» إلى عالم القراءة، ويقود آخرَ جزءٌ من كتاب «ألف ليلة وليلة»، وآخر يأخذ بيده إلى الأدب كتابٌ واحد من الجاهلية إلى العقود الأولى من القرن الرابع عشر الهجري. «إنه الكتاب الذائع البديع “جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب” للسيد أحمد الهاشمي». وآخر يبدأ القراءة من عالم الخيال مع سيرة «سيف بن ذي يزن» قبل الانتقال إلى الجاحظ والتاريخ وكتب الجاسوسية والحكايات، وآخر يقوده جدُّه أو أبوه أو عمُّه أو أحد أقاربه، فيقلِّده في حمل الكتاب، ثم تتلبَّسه الفتنة. وهكذا تُرصد الجذور الأولى لهذه العادة التي تتحوَّل إلى حياة، وإلى طريقة عيش، وإلى قَدَر مكتوب.
ثم يأتي الفصل الثالث: «شغفٌ يتشكَّل في الخفاء»، ليرصد تجارب متميزة، وحيوات كثيرة، وأعلامًا من كل التخصصات صاروا نجومًا في سماء الفكر والأدب والكتابة؛ وذلك لأنهم ربطوا العيش بالقراءة، فقرؤوا لكي يعيشوا، وصارت القراءة جزءًا من تكوينهم وجنونهم؛ لأن أولئك النفر لا يرون الكتاب مجرَّد شيء يُقتنى بقدر ما يرونه عالمًا يُعاش. ثم يرصد هذا الفصل علاقة القرَّاء بالكتاب؛ بين من يتأسف على فقده، ومن يحافظ عليه حتى من الخدش البسيط أو من وقوعه أرضًا، فيتأثر غلافه وورقه. بل أكثر من ذلك، فهناك من يحافظ على ورقه حتى من وضع تأشيرة أو قُصاصة بين أوراقه ليعرف الصفحة التي وصل إليها، فيرى أنَّ ذلك يؤذي الكتاب، ويجرح أوراقه، فيغير لونها أو يترك فيها بصمةً تؤذيه؛ لذا يستخدم قطعة قماش بيضاء أو منديلًا شفافًا، وهذا منتهى الإحساس والشعور بالكتاب وبمشاعره وجماله. وآخرون لا يأبهون لذلك، بل لا يرون الكتاب إلا وسيطًا عابرًا، وقد يرمون به بعد قراءته، كما أنهم يملؤون صفحاته كتابات وتعليقات وتفاصيل حتى يعرفوا أنهم قد قرؤوه وتحاوروا معه. ويرصد المؤلف حكايات كثيرة في هذه العلاقة تصلُ إلى حدِّ الطرافة، وللناس فيما يقرأون مذاهب.
ويحمل الفصل الرابع بعدًا آخر يكمل الصورة عن فتنة القراءة؛ فبعد ما سبق يرصد المؤلف «زاوية الأشياء التي تحيط بالقارئ»، وبفعل القراءة من عاداتٍ ومكان وأوقات وطبائع. وهو بهذا الفصل يصف تعامل القارئ مع فتنته ومفتونته: متى، وأين، وكيف؟ وماذا أعدَّ لتلك الفتنة من هيئةٍ وحال؟ فيتحدث عن كثير من تلك العادات، راصدًا لها من خلال ما وجده من خطاب واصف عنها في بطون كتب التراث، ومن مؤلفات المعاصرين، ومن حوارات قرَّاء/كتَّاب أرسل إليهم سؤاله عن طقوسهم وعاداتهم في القراءة. وكما يقول: «في تاريخ القراءة الطويل أشياء كثيرة تحيط بالقارئ لا تقلُّ أهمية أو سحرًا عن الكُتُب نفسِها، فالقارئ لا يفتح كتابًا فحسب، بل يهيئ له عالمًا صغيرًا: مَقعدًا مُفضَّلًا، ضوءًا مناسبًا، فنجانَ قهوةٍ أو شاي، وصمتًا أو موسيقى خافتة، ومكانًا لا يشبهه أي مكان، تفاصيل قد تبدو هامشية، لكنَّها تتحوَّل مع الزمن إلى جزءٍ من التَّجربة القرائية لمن أصبح واحدًا من مُدمني القراءة في هذا العالم».
يستعرض المؤلف تلك العادات، ومنها العادي والمألوف، ومنها الغريب. ومما يلفتُ منها أن قارئًا يتزيَّن للقراءة وكأنَّه ذاهبٌ إلى موعدٍ غرامي، حيث يقول الشَّاعر فهد عافت: «ما لم أشعر ببقايا رائحة العطر “الشَّامبو” خافتةً، وبطراوة الماء مُبقيةً أسرارها، مع قليل من بخور وعطر، الحقيقة أني أرشُّ العطرَ بتسيّب، ما لم أحلق ذقني، وألبس ثوبًا أو لبسَ رياضة نظيفًا ومرتَّبًا ومريحًا وحيويًّا، فإنّ وقت القراءة “الصباحي عادة” يمرُّ أثقل مما تحتمل طبيعته بالنسبة لي، بل قد أتشتت قليلًا أو كثيرًا. هذه العادة لها معي الآن قرابة عشرين عامًا».
هذه هي الفتنة، وهذا هو العشق، وتلكم هي الكتابة الواصفة عمَّا قد نألفه من عادات، أو نرى أنها يومية. ولكن أن يلتقط كاتبٌ مثل علي فايع الألمعي هذا الموضوع الطريف الفاتن، ويجعله ميدانًا لكتاب كامل يلمُّ بجوانبه، ويبحث في تفاصيل هذه الفتنة منذ ميلاد تشكُّلها لدى القارئ، فنموها، فثمرتها؛ حيث تغدو العلاقة الأولى والاتصال بكتابٍ ما هما القَدَر والمصير لكاتب أو مؤلف سيكون له شأن عظيم مع الفكر والأدب والثقافة والحياة؛ فهذه هي الموضوعات الباقية والمختلفة، والكتب الجديرة بالقراءة، والحقيقةُ بالعناية؛ حيث لا يكون المكرور من الأفكار أو المعاد من العناوين والكلمات.
بيد أن لديَّ تساؤلًا بسيطًا هو: لماذا غابت القارئة/الكاتبة السُّعودية عن هذا الاستطلاع والسؤال والحديث المباشر معها؟ ما خلا إشارة إلى كتاب نوال السُّويلم «ومضات سيرية»، أشار فيه إلى دور الأم الموازي لجهود الأب، والأم القارئة ومكتبتها، كما حدث مع الدكتورة أحلام الحميد القحطاني، ضمن كتابٍ جمعت فيه السويلم سردًا سيريًّا ذاتيًّا لـ27 كاتبة سعودية. ولم يعرِّف بهما - كعادته في التعريف الموجز بالأعلام - ولهذا كان حضورهما باهتًا. أضف إلى ذلك أنَّ هذا الكتاب الفاتن قد احتوى على الكثير من الهوامش للتعريف بالأعلام وبكتبهم ومؤلفاتهم التي تشكِّل مكتبة الكتاب ومرجعيته، ولكننا لا نجد تلك المراجع والمصادر مرصودةً في نهاية الكتاب. وقد يقال: إن ذلك شأن أكاديمي صرف، ربما، لكنَّه مهم حتى في الكتب التي تحمل قيمة معرفية في موضوع جديد وطريف؛ فليته أتمَّ الجمال والتوثيق، ولعلَّه يفعل ذلك في طبعة أخرى.
شكرًا للأديب المختلف علي فايع على هذه التحفة الفاتنة التي يستحقُّها الكُتَّاب والقرَّاء معًا. وهو لم يؤلِّف الكتاب عبثًا، أو لمجردِ التأليف، أو التقاط موضوع جديد ومتميز، ولكنه يريد من ورائه أن يقدِّم رسالةً، ورؤيةً، وسؤالًا.
فأمَّا الرسالة فهي للمدارس - وهو معلِّم، ولا ينبِّئُك مثلُ خبير - التي تعاملت مع القراءة بوصفها عِبئًا دراسيًّا جافًّا يطفئ جذوتها في النفوس.
وأما الرؤية فتتمثَّل في كيفية العودة إلى القراءة من خلال التعليم والمدارس والبيت والمسجد والإعلام والمجتمع، وإشعال هذه الفتنة وشمعتها، وتهيئة تُربتها الخصبة للقارئ في عالم تِقني مكرَّس اليوم للتافه والعابر.
وأما السؤال، فبعد أن يطرحَ عددًا من الأسئلة عن القراءة ومستقبلها: هل غياب فتنة القراءة عمَّن فاتتهم هذه الفتنة نقصٌ؟ وهل يُعدُّ غيابها عند أبنائنا وبناتنا اليوم فراغًا في التجربة الإنسانية ذاتها؟!
يقول علي فايع: «وأما السؤال الأكثر واقعيةً ومنطقيةً: لماذا تقلقنا هذه الأسئلة أصلًا؟ ألأنَّ القراءة في جوهرها ليست فعلًا فرديًّا منعزلًا، بل مؤشرًا على حيوية المجتمع نفسه؟ وهل القلق هنا على كتابٍ لا يُقرأ، أم على عقلٍ لا يُستفزُّ، أم على روحٍ لا تُدهش؟
نحنُ نقرأ لأننا نعرفُ، أو نشعر، أنَّ القراءة ليست ترفًا، لكنها ضرورة، وأن غيابها لا يمرُّ بلا أثر، وإن كان صامتًا…».
** **
- أ.د.إبراهيم أبو طالب