في ردهات الذاكرة، وحين كنا ذات وقت نتوسد أيدي الفرح، ونستنشق عبق الأماكن، كان الزمن صاحبًا لطيفًا؛ نسرق منه الوقت ويبادلنا السعادة. تحت تلك الظلال الوارقة، نبتت براءة طفولتنا كمرآة صافية لا تعكس إلا شغف البهجة، وتَعزف قلوبنا على أوتار ما يؤنسنا، ويل همنا، ويغدق علينا بالمواساة الجميلة.
كانت الأيام تجري بهدوء ناعم، وما إن تدق ساعة الموعد، حتى نتسمر أمام شاشة التلفاز الصغيرة بلهفة حابسة للأنفاس. ننتظر بنهم مطّرد إطلالة الفنان القدير (إبراهيم الصلال) في المسلسل التراثي (مذكرات جحا)، إبّان ذروة ازدهار الدراما والمسرح الكويتي. ولا مبالغة في القول بأن «جحا» كان يقتسم معنا طيابة الأنفاس والنفوس؛ فبمقالبه يذهب بنا إلى أعلى موجة من الترقب، لينحدر بنا نحو سكينة الذهول والاندهاش.
كنا نملأ الأرجاء ضحكات عميقة، فلا يستريح الليل ولا يهدأ، فقد كان سهلًا وطيعًا أمام أصوات تضج جمالًا وتردد شارة البدء والنهاية: «أنا جحا.. شنهو؟ جحا جحا.. شنهو؟.. أنا جحا أبو الذكا والجمبزة.. عزمي شديد.. قلبي حديد». تلك الأهازيج واللحن التراثي الشجي كانت جزءًا بالغ المعنى والخصوصية، فقد تراقص جحا بأرواحنا الغضة، واستطاع ببراعته الصادقة وتمثيله الأصيل - برفقة زوجته (طيبة الفرج) ومواجهاته مع الوالي (خالد العبيد) وحماره المشاكس - أن يدور بنا في أعماق الأحداث المجتمعية.
والمدهش بحق، أن تلك اللمسة الدافئة التي كانت تتسلل إلى جوهر حياتنا ونحن صغار، هي ذاتها التي تعاود خطفنا اليوم في عتمة صالات السينما الحديثة أمام تقنيات الـ IMAX الشاهقة؛ ونحن نتابع الملاحم البصرية الكبرى التي تجسد الأساطير الإغريقية الخالدة وملحمة «الأوديسة «(The Odyssey)؛ حيث يُدار المكر البشري بملحمية تُحبس معها الأنفاس لثلاث ساعات دون أدنى شعور بالملل. وحتى لو كَلَّفتنا المشاهدة مزيدًا من حبات «البوب كورن»، فإن كل قضمة تصدر قرمشةً مدوية؛ كأنها فواصل صوتية تتناغم مع هدير تلك المشاهد البصرية، لتعيد نحت ما علق في ذاكرة الأمس: شغف اللهفة مع أهازيج «جحا»، ونكهة الكراميل التي تُغلف تلك اللحظات الدافئة.
وهنا نلتقي عند فلسفة المخرج (كريستوفر نولان)، وما قرره الفلاسفة من أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستمتع بصناعة وهمه بذاته؛ ليتحول العرض السينمائي إلى ساحة لـ «الزيف الفائق» وسحر الصورة التي تخلب الألباب. وكما يرى الأديب والفيلسوف الألماني (غوته) حين قال: «نحن لا نُنخدع أبدًا، بل نخدع أنفسنا»؛ فإن نولان يؤكد ذات المعنى حين يقول: «الجمهور لا يكتفي بالبحث عن الحقيقة، بل يريد في عمقه أن يُخدع؛ لأن سحر العرض يكمن في متعة الانبهار بالحيلة». وهنا تلتقي سرديات الذاكرة لتكشف لنا سر متعة الخديعة الجمالية: كيف يصنع الذكاء شباكه الناعمة، وكيف نفتح لها أبواب قلوبنا بملء إرادتنا.. ونحن نبتسم!
يرسُم الفنّان (الصَّلال) حيلة «المسمار» بأداءٍ يقطر عذوبة؛ فجحا الذي أرهقته الحاجة إلى بيع داره، اشترط استثناء ملكية (مسمار) موروث عن أجداده، قد دُقَّ نصفه في الحائط، وأبقى معه النصف الآخر كطللٍ يستحق الوقوف عنده متى ما أراد؛ يمتزج لديه التغابي بالحيلة في خفةٍ ودهاء وسخرية باردة، تأكيدًا لزيارةٍ مفتوحة وحَقٍّ مُتوجّب متى يشاء. لم يجد المشتري إلا تعجيل الموافقة؛ ظنًا منه أنه «لا ضرر ولا ضرار» من هذه المبايعة!
لكن جحا بدأ يعود لمسماره العزيز وقت الغداء والعشاء؛ يبكي بحرقةٍ مصطنعة، ويرشه بأغلى العطور، ثم يدثره بقماشةٍ بالية بعد أن يلثمه بسيلٍ من القبلات أمام ذهول أصحاب الدار ودهشتهم، حتى انتهى به المطاف إلى فرش عباءته بكل انتشاءٍ وبرود، مستسلمًا لنومٍ مخاتل تعلوه مسحةٌ من الثقة، وهو يردد: «أنامُ في ظلّ مسماري»، وكأنه يستدعي سينمائية بيت المتنبي الشهير:
«أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا
وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصِمُ»
وبالفعل، نام جحا وأسهر عيون المشتري المكلوم الذي فرّ بجلده وترك له البيت بأسره!
وهنا تجدر الإشارة، فإن (جحا ومسماره) أدخلا الضحية في دائرة ما يُسمّى بـ «الاستنزاف العاطفي البطيء»؛ الذي يستحضره جحا ببراعةٍ لافتة دون صدامٍ مباشر، في حزمةٍ من الارتهانات التي تبدو صغيرة وشكلية، وإذ بها تُخرج من جيبها الرهان الخفي والأكبر.. وبذريعة الصبر الإستراتيجي، عاد بيت جحا إليه، تمامًا كما اخترقت الخديعة حصون طروادة!
فكم من مسمارٍ صغير أفسحنا له الطريق لِيُغرس في نسيج علاقاتنا المجتمعية خوفًا من لحظة إحراجٍ عابرة؟! فتتوارى في داخلنا ثقافة الرفض الحاسمة، ونجد أنفسنا نركب الموجة الصاعدة لمجاملةٍ صفراء باهتة، تبني فوق التنازل الأول سياجًا من القهر، ليتحول الغريب والشبح العابر إلى صاحب حقٍّ يفرش عباءته في قلب خصوصيتنا، ويسرق منا أصفى لحظات الراحة والسلام!
وعلى المقلب الآخر من الذاكرة، ننتقل إلى شاطئ طروادة، حيث وقفت جيوش اليونان عشر سنوات عاجزة أمام أسوارها الحصينة، حتى قرر أوديسيوس تغيير قواعد اللعبة بـ «هندسة الحيلة وتدبيرها». وكأن مسمار جحا قد دقَّ إسفينه في جدار الوعي لدى أوديسيوس؛ فما كان منه إلا أن يشرع في صناعة «حصان خشبي عملاق» في صورة مبهرة، بعد أن أودع في أحشائه أعتى المحاربين، مفضلًا التسلل إلى الطرواديين عبر وَهْمِ استسلام اليونان ورحيلهم.
وفي غمرة نشوتهم بالانتصار المزيف، طرب أهل المدينة للمظهر البراق، وفتحوا بواباتهم المنيعة لابتلاع الطعم. وفي لحظة شرود وغياب، سحبوا الحصان الخشبي بأنفسهم وبقلوب مطمئنة ليرقصوا حوله، وكأنهم يغرسون مسمار حتفهم كنصب تذكاري! وما إن نامت المدينة، حتى خرجت الجيوش من بطن الحصان، وسقطت طروادة العظيمة.
ووفق تجليات المنحى الاعتباري والمضمون النفسي، نستطيع أن نستلهم العبرة في أبهى صورها: إنْ كان مسمار جحا خديعة ناعمة تدثرت بدثار الموادعة وتمظهرت بالبراءة، فإن حصان طروادة هو فخ المظاهر البراقة التي تتسلل إلى أرواحنا؛ تمامًا كبعض العادات الناعمة التي استنبتتها وتيرة الحياة المعاصرة في غمرة إدمان الشاشات، وتصفح المقاطع الوجيزة، وسط تسليم عابر للمشاعر والسلوك.
إنها أشبه بطُعم مرٍّ نبتلعه دون وعي، أو كمسمار نابت في لحومنا نتوهم أن علينا تقبله، أو كحصان سامق الصنعة يأتينا على هيئة هدية فارهة اللطافة؛ حتى إذا استرخى وعينا ليلًا، خرجت من بطنه جيوش التشتت والكسل، لتهدم حصون طموحنا ونحن نغط في سبات عميق!
وعلى نحوٍ من التجاسر الفلسفي والمعرفي، تمطرنا حيلة المسمار وخديعة الحصان بوابلٍ من الرسائل العميقة التي تسربت إلينا عبر أهازيج رقصة المسمار، وقرع طبول الانتصار المزيف؛ لتؤكد أن السيادة والحرية لا تقبلان القسمة على اثنين، وأن الشيء الهامشي الصغير يمكنه أن يبتلع الروح والبيت والقلب، إذا ما غصّت في حناجرنا كلمة «لا» ومُرِّرت التنازلات الأولى!
لقد نجح (جحا وأوديسيوس) نجاحًا باهرًا؛ لأنَّ كلًا منهما ألبس حيلته قناعًا أليفًا؛ أحدهما خدّر ضحيته بضحكةٍ دافئة وبراءةٍ مصطنعة، والآخر سلب منها اللُّب بعظمة الانبهار والجمال البصري. فالشر لا يطرق أبوابنا عاريًا أبدًا، بل يرتدي حريرًا متأنقًا، ويتغذى على رغبتنا الفطرية في الراحة والألفة؛ ليكون أنبل أشكال الاستعباد وأشدها إيلامًا هو ذلك الذي نصنعه لأنفسنا بأيدينا وبكامل إرادتنا.. ونحن لا نعبّر عنه إلا ونحن غارقون في ذهول الانبهار!
ولكيلا نستمرئ دور الضحية الطيعة المستباحة وهدر خصوصيتها على قارعة الحياة، ما علينا سوى ارتداء جسارة العشَّاق في اقتلاع المسمار من اللحظة الأولى، وأن تكون «لا» حاضرةً عند حافة اللسان؛ ولو جاءت مُغلفةً بمزيجٍ جامع بين اللطافة والحسم، قبل أن تتشابك الغصون؛ وأن نهتم بتفتيش أحشاء كل حصانٍ برَّاقٍ يُهدى إلينا.
فاليقظة تعلّمنا في النهاية: إن أقوى حصون الروح لا تسقط بالمدافع والقسوة، بل تسقط لأن أصحابها فتحوا لها الأبواب برضاهم؛ فلا تترك مسمارًا لجحا في جدار حياتك، ولا تُدخل حصانًا لأوديسيوس إلى أرضك حتى تطمئن تمامًا لما في بطنه؛ كي لا تجد نفسك يومًا مكبلًا بكامل إرادتك.. بخيوطٍ من حرير!
** **
علي بن حسين آل طالب - كاتب سعودي، مهتم بالتعليم والعلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا، والفلسفة المعرفية، والفيزياء الحديثة.