حاورته - نورة محمد المعطاني:
ينطلق الناقد الأستاذ الدكتور: عبد الحميد الحسامي من رؤية فحواها أن الأكاديمي لا تقتصر رسالته على ما يقدمه في القاعة الدراسية، بل يجب أن تكون لديه رسالة لخدمة المجتمع والتفاعل الثقافي خارج أسوار الجامعة.
في هذا الحوار يتحدث لـ«الجزيرة الثقافية» عن رؤيته الأكاديمية، ونشاطه الثقافي، وسر اهتمامه بالأدب السعودي، وكتبه، وتجربته بين الشعر والنقد، ورؤيته لحاضر الأدب اليمني ومستقبله، والعديد من المسائل الثقافية.
اهتمام وجوائز
- اهتمامك بالأدب السعودي، سواء في إشرافك الأكاديمي، أو عضوية لجان تحكيم جوائز مهمة مثل «جائزة الملك فيصل العالمية» و«جائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر العربي»، وكثير من المجلات العلمية المتخصصة، ماذا يعني لك؟
يأتي اهتمامي بالأدب السعودي ترجمة لرؤيتي عن رسالتي العلمية والثقافية والأدبية، وتجسيدًا لقيمة الوفاء التي تعد قيمة عليا من قيم الحياة. لقد عملت في جامعة الملك خالد زهاء عقدين من الزمن، وهذه المدة ليست قصيرة؛ فقد فتح عملي في الجامعة عيوني على مشهد ثقافي ثري ومتنوع ومتفرد، في وطن يحتل جغرافيًا وتاريخيًا واقتصاديًا ودينيًا وسياسيًا مكانة متفردة؛ بلد يجمع في مدنه وقراه، وفي شوارعه ومساجده، وفي حياته عمومًا، عشرات الملايين من الوافدين الذين ينتمون إلى ثقافات متعددة، ووطن استقطب كفاءات ثقافية من مختلف أنحاء العالم، عربيًا وعالميًا، في مناشط ومحافل ومؤتمرات وجامعات مختلفة. هذا الثراء وهذا التنوع يجعلان من الفضاء الثقافي للمملكة فضاءً رحبًا لمن يطمح في الاشتغال فيه أو عليه.
وأنا أنطلق من رؤية فحواها أن الأكاديمي لا تقتصر رسالته على ما يقدمه في القاعة الدراسية فحسب؛ إن رسالته تتعدى ذلك ليكون شريكًا في المشهد، متفاعلًا معه، فاعلًا في خدمة المجتمع. فشاركت في الإشراف العلمي على طلبة الماجستير والدكتوراه، وقد وجدت أن النماذج الإبداعية في المملكة نماذج حية جديرة بالدراسة: شعرًا، ورواية، وقصة، وحياة اجتماعية وأنثروبولوجية. فأشرفت على دراسات علمية تتجاوز ثلاثين رسالة، وعملت مرشدًا علميًا لعشرات الباحثين، اشتغل معظمهم على المشهد الإبداعي السعودي، وأنجزوا قرابة عشرين رسالة متخصصة فيه.
أشرفت على رسائل درست الثبيتي، والدميني، والزهراني، والصحيح، ومحمد يعقوب، والقاص محمد علي علوان، والروائي محمد حسن علوان، وتجربة الناقد حسين بافقيه، وظاهرة تداخل الفنون في القصيدة السعودية المعاصرة، وتلقي الأدب التفاعلي الذي لم يغب عنه النقد السعودي، وتحولات اللغة الشعرية في الأدب الموجه للطفل في السعودية… إلخ.
كما ناقشت عشرات الرسائل في الجامعات السعودية عن الأدب السعودي: شعرًا، ورواية، وقصة، وسيرة ذاتية، ونقدًا للنقد، وغير ذلك.
وكانت مشاركاتي في تحكيم الجوائز رافدًا مهمًا لي لمعرفة الأدب السعودي في تواشجه مع الأدب العربي، وإسهامًا في رفد تلك الجوائز برأيي العلمي المتواضع. فشاركت في عضوية لجنة الاختيار بجائزة الملك فيصل، وحكّمت لعدة دورات في جائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر العربي، وكذلك عدة دورات في تحكيم جائزة السنوسي. كما شاركت في تحكيم جائزة الثبيتي، وجائزة الشعر العربي بنادي الباحة، وجائزة أبها الثقافية، وحكّمت في مسابقة شاعر الملك (المنطقة الجنوبية بالمملكة العربية السعودية) التي أقامتها قناة المرقاب. وفتحت لي المملكة نوافذ لتحكيم جوائز دولية خارج المملكة، مثل: جائزة العويس، وجائزة كتارا لعدة دورات، وجائزة الكتاب العربي، وجائزة توليولا الإيطالية العالمية.
وفي سياق الجوائز العلمية، فزت بعشر جوائز علمية، معظمها أثناء عملي بجامعة الملك خالد، ثلاث منها فازت بها دراسات نقدية تناولت أعمالًا إبداعية سعودية: جائزة راشد بن حميد 2013م عن بحث «بنية المتخيل والمرجع الحي في رواية الباب الطارف لعبير العلي - قراءة سيميائية»، وجائزة نادي الباحة الأدبي 2014م عن كتاب «تحولات الخطاب الشعري في المملكة العربية السعودية»، وجائزة راشد بن حميد 2016م عن «رؤية العالم في الخطاب القصصي لظافر الجبيري – دراسة بنيوية تكوينية».
وهذا المنجز يتعزز بمنجز تأليفي؛ حيث ألّفت عددًا من الكتب والبحوث المتخصصة في الأدب السعودي.
ويسعدني أن أعلن هنا عن عدد من الكتب الجاهزة للطباعة، وبعضها في المطبعة، وهي: «قل للمليحة: قراءة في الخطاب الإشهاري بمدينة أبها»، وهو كتاب مشترك مع فريق من الباحثين، وكتاب «أنساق الخطاب السيري في المملكة العربية السعودية»، وكتاب «دراسات في الشعر السعودي المعاصر»، وكتاب «دراسات في القصة السعودية».
كل ذلك يمثل قصة عشق للثقافة السعودية وللأدب في المملكة العربية السعودية، ودَينًا نسعى إلى أن نؤديه لمجتمع احتضن أحلامنا، وبلد عشنا على ترابه، ونهلنا من خيراته، وتفيأنا ظلال أمنه واستقراره، وما زلنا نقول: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
رسالة أكاديمية
- في مقابلة تلفزيونية قلت: «منذ أن عملت بجامعة الملك خالد، وأنا أؤمن بفلسفة ترى أن الأستاذ الجامعي ليس مجرد محاضر أو موظف، بل يجب أن يُنظر إليه كشخص فاعل في المشهد الأكاديمي وتنمية المجتمع». حدثنا عن هذه الرؤية؟
إن «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، وأنا حين قلت ذلك في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامي جابر القرني على القناة السعودية الأولى، كنت أقول ما يشكل يقينًا في رؤيتي، وفاعلًا في توجيه حركتي الأكاديمية والثقافية. فأنا منذ أول عام من تعاقدي مع جامعة الملك خالد شاركت في ملتقى النص بنادي جدة الأدبي، ولم أتخلف عن دعوة في خدمة أدب المنطقة خصوصًا، وأدب المملكة وشأنها الثقافي عمومًا، مشاركًا بالمحاضرات والندوات والفعاليات التي من شأنها تجسيد هذه الرؤية.
أنا لست معلمًا في فصل دراسي يتقاضى راتبه نهاية كل شهر؛ أنا أعد نفسي أكاديميًا يحمل على عاتقه رسالة. أنطلق من الفصل الدراسي - الذي لا ألقي فيه معرفة فحسب، بل أصنع فيه باحثين ليشاركوا في خدمة المجتمع وصناعة المشهد الأكاديمي والثقافي - أنطلق من تلك القاعات الدراسية لأسهم في صناعة المشهد الثقافي والأدبي. حينها أحس بانتمائي للمكان والثقافة والمجتمع، بل بانتمائي لذاتي ورسالتي.
وكم تغمرني السعادة حين أرى طلابي وطالباتي في عمق المشهد الثقافي فاعلين ومتفاعلين، وكم تكون سعادتي كبيرة حين أرى عشرات من طلابي الذين تتلمذوا على يدي قد أصبحوا زملاء لي في قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة وخارجها، وبعضهم يتبوأ مواقع مهمة في الجامعة والمجتمع. وتلك سعادة لا تكاد تعادلها سعادة؛ إنها قيمة المعاني الكبيرة في الحياة.
وأنا فخور بكل هذا الإنجاز الذي قدمته انطلاقًا من هذه الرؤية، كما أنني فخور بانتمائي للمشهد العلمي والثقافي في المملكة، الذي لا ينفك يتفاعل مع المشهد الثقافي العربي والعالمي بوتيرة عالية، وبخاصة في ظل الرؤية الرائدة 2030، التي تشكل محطة تحول مركزية في حياة المجتمع والمنطقة.
إن عملي في جامعة الملك خالد وخارجها قد جعلني أدلي بدلوي المتواضع في هذا المشهد الثري، وفي الوقت نفسه أسهم هذا المشهد في تشكيل ثقافتي وتعزيز إمكاناتي المعرفية والثقافية. وما المثقف والأكاديمي إلا مجموعة فعاليات متراكمة، فكيف بمن عاش وسط المشهد الثقافي الفاعل المتفاعل تسعة عشر عامًا، تمثل أكثر من ثلث عمره؟
- لك كتاب بعنوان «تحولات الخطاب الشعري في السعودية»، حدثنا عن هذا الكتاب، وعن قراءتك لشعر محمد الثبيتي التي تعد من أهم المراجع في هذا المجال؟
يمثل «تحولات الخطاب الشعري في المملكة العربية السعودية» قراءة لبنية التحولات الثقافية والإبداعية للخطاب الشعري في المملكة منذ المرحلة الرومانسية حتى لحظة كتابته في 2014م. وفيه تناولت قرابة 50 شاعرًا من أجيال مختلفة، لأحاول رصد التحولات الرؤيوية والمضمونية والفنية. وهو دراسة أفقية ورأسية تتناول أجيالًا من الشعراء، وتقف عند أبرز تحولات الرؤية والبنية.
وقد حظي بتقدير نادي الباحة الذي منحه جائزة النادي في إحدى دوراته، كما حظي بتلقٍّ وافر من لدن الباحثين والمهتمين بحركة الشعر السعودي، وكان له حضور في تقرير الشعر العربي الذي أعدته أكاديمية الشعر العربي، وقُرر في بعض دورات الاختبار الشامل لطلبة الدكتوراه من قبل قسم اللغة العربية في جامعة الملك خالد، وعاد إليه كثير من الباحثين في الشعر السعودي داخل المملكة وخارجها.
وهو يعطي صورة أعدها متميزة للمشهد الشعري في المملكة العربية السعودية وتحولات هذا المشهد، تضاف إلى الجهود التي بُذلت في هذا السياق، وقد فتح لي شخصيًا نوافذ لقراءات معمقة في الشعر السعودي، وتتبع التحولات الطارئة عليه بعد مرحلة تأليف الكتاب، أرجو أن يعينني المولى على إنجازها في قادم الأيام.
أما كتابي «مرايا العرّاف – بنية الأسطورة في شعر الثبيتي»، فيمثل لدي جهدًا أعتز به في قراءة تجربة متفردة في الشعر السعودي وفي الشعر العربي، ويمثل - من وجهة نظري ووجهة نظر عدد من الباحثين المتابعين لتجربة الثبيتي - من أهم الدراسات التي قرأت تجربة الثبيتي بعمق وأناة.
لقد أخذ مني هذا الكتاب جهدًا ووقتًا كبيرين؛ لأن تجربة الثبيتي لا تمنحك نفسها بيسر، وحين تقترب منها يجب عليك أن تكون مزودًا بأفق ثقافي عالٍ. إنها قمة، والصعود إلى القمة يحتاج جهدًا استثنائيًا. إن تجربة الثبيتي ليست تجربة تقف على هرم الشعر السعودي فحسب، بل هي تجربة توازي تجارب قمم في الشعر العربي المعاصر.
كتبت هذا الكتاب وأنا في مقام الدهشة، وكتبته بلغة الدهشة، كتبته وأنا أشارك الثبيتي لحظات الإبداع، وأصغي إليه وهو يصغي للعالم، «ويقبض على جمر القصيدة، ويذيب الجوارح في خمرها، وهي شهدٌ على حد موسْ».
كتبته وأنا معه:
«أمضي إلى المعنى
وأمتص الرحيق من الحريق
فأرتوي
وأعل من الماء الملام».
كتبته وأنا أردد معه أنشودة الروح وسؤال الحياة:
«مَضَى شِرَاعي بِمَا لا تَشتهِي رِيحِي
وفَاتَنِي الفِجْرُ إذْ طالَتْ تَرَاوِيحِي
أَبْحَرْتُ تَهوِي إلى الأعماقِ قَافِيَتِي
ويَرْتقِي في حِبالِ الرِّيحِ تَسْبِيحِي
مُزمَّلٌ فِي ثِيَابِ النُّورِ مُنْتَبِذٌ
تِلْقَاءَ مَكَّةَ أَتْلُو آيَةَ الرُّوحِ».
لقد كتبته، ثم طبعته، وصار بين يدي القراء؛ هناك ألقت نفسي ما فيها وتخلت. بيد أنه ما يزال حاضرًا، يفتح لي بوابات لأسئلة متناسلة، بعضها عهدت به إلى طلابي لدراستها، فأنجزوا أطاريح معمقة عنه، وبعض تلك الأسئلة لا ينفك يلازمني حتى وأنا أكتب كتابي الأخير: «ماء الملام… تحولات الشعرية العربية المعاصرة».
بين الشعر والرواية
- في انتقالك بين الشعر والرواية والدراسات الثقافية، كيف أسهم تنوع مجالات اشتغالك في إعادة تشكيل رؤيتك النقدية وأدواتك في قراءة النص والخطاب؟
لقد تحول مفهوم النقد، كما انفتح مفهوم الخطاب وحقول اشتغاله من الخطاب الإبداعي ليستوعب مختلف الخطابات الإبداعية وغير الإبداعية. فالنقد اليوم يقرأ الخطاب الإبداعي شعرًا بمختلف أشكاله، ونثرًا بمختلف أنواعه، ويقرأ الخطابات التراثية المختلفة: تاريخًا، وتفسيرًا، وفقهًا، وفكرًا، وسياسة، وفلسفة، وتصوفًا، ويقرأ الخطابات المعاصرة بكل تنويعاتها الثقافية؛ يقرأ الخطاب الإشهاري، والثقافي، والقانوني، والسياسي، ويقرأ المطبخ والملبس، ويقرأ أشكال الزينة، ويقرأ حتى العقل والجنون والقهوة والعيادة والرياضة، يقرؤها بوصفها خطابات. وهذا الاتساع مهدت له نظريات فلسفية ونقدية ممتدة.
وهنا تتسع مسؤولية الناقد في تطوير آفاقه النقدية، وأدواته الإجرائية، وعمقه القرائي المعرفي والفلسفي والمنهجي.
- في فترة من الفترات طرقتَ باب الشعر، لكنك لم تخرج إلى القراء بديوان.. هل كان الناقد الحسامي أقوى من الشاعر الحسامي؟
طرقت باب الشعر مبكرًا، وكنت أحس أن في أعماقي شاعرًا يريد أن يقول، شاعرًا يعيش فيَّ وأعيش فيه. كنت معتدًا كثيرًا - شأن كل المبدعين - بمحاولاتي الشعرية وبنصوصي التي أخذت تتطور يومًا بعد يوم، لكنني حين دخلت عالم النقد، منذ شرعت في رسالة الماجستير عام 1997م وحتى اللحظة، أي قرابة ثلاثة عقود، عرفت أسرار نقد الشعر وأسرار كتابة الشعر، وكلما ازددت علمًا بالنقد ابتعدت عن الشعر، الذي يتوارى بقدر حضور النقد.
أخذني النقد واستحوذ على اهتمامي ووقتي، وعلى الرغم من كتابة عدة دواوين شعرية، لم أطبعها. وربما أتجاسر يومًا وأنتقي ما قد يرضي الناقد المتربص بشعري في داخلي.
لقد غدا النقد مشغلتي الأولى في الحياة، وهو خبزي اليومي، وهوائي الذي أتنفسه. وقد قلت في مناسبات عديدة إن الشاعر الذي بداخلي، كلما حاول أن يطل برأسه، أطل خلفه الناقد الذي في عقلي، وفي يده عصا غليظة.
أنا أعشق النقد وأمارسه بشغف؛ هو قصيدتي التي أمارس فيها وجودي، وهو خطابي الذي فيه أطوع لغتي الشعرية لتمنحني نوعًا من العزاء في بعدي عن الشعر. لغتي في النقد ليست لغة علمية جافة؛ سيجد القارئ أنها لغة طرية، لدنة، فيها روح الشعر وملامح الشاعر.
وإني لأغبط الذين يستطيعون ممارسة النقد وممارسة الشعر في آن. وأذكر أن مؤسسة ثقافية سعودية وجهت إليَّ قبل عشر سنوات تقريبًا دعوة للمشاركة في فعالية شعرية، فشاركت، وأحسست أن المكان ليس لي، وأن المكان يجب أن يملأه شاعر يحترف الشعر ويمارسه ويروض مسالكه. بعدها أخذت عهدًا على نفسي ألا أشارك بوصفي شاعرًا.
- لوحظ أن مؤلفاتك يغلب عليها الجانب التخصصي.. ألا ترى أن للقراء الذين ينتظرون منك كتبًا خفيفة ولطيفة عن طفولتك الريفية وتجربتك الأدبية حقًّا عليك؟
لقد أسلفت القول إن النقد مشغلتي الأولى في الحياة؛ هو وظيفتي، وهو هوايتي. ولا أخفيكِ، ولا أخفي القارئ الكريم، أنني أحن إلى كتابة سيرتي، إلى كتابة ذاتي، والوفاء لذلك الطفل الذي كان يطفر في القرية بين مزارعها ومدرجاتها وأشجارها، كما يطفر العصفور.
إني أحن إلى كتاب أرى فيه «أنا» طفلًا، وشابًا يافعًا طموحًا، متنقلًا في شعاب الحياة، بين ريف قصي في جبال «شَرْعَب»، إلى مدينة باذخة الحضور والجمال، غافية وحالمة في أحضان «جبل صَبِر»، هي «مدينة تعز»، إلى طالب دراسات عليا متنقل بين السودان، في مرحلة الماجستير، في «الجزيرة» و«وَدْ مَدَني»، ثم إلى مدينة « الموصل»، «الحدباء»، «أم الربيعين»، في دراسة الدكتوراه، ثم أستاذًا في مدينة جميلة هي مدينة «النادرة»، ابنة «وادي بنا»، حارسة أسراره وملكة جماله.
ثم أستاذًا متعاقدًا في جامعة الملك خالد بمدينة «أبها» البهية، مدينة الجمال وعاشقة الغيم والبنفسج، التي وصلت إليها في 2009م، وحتى اللحظة وأنا أعيش فيها وتعيش فيَّ. أعيش مع جبالها ووهادها، مع رجالها وعلمائها، مع أنديتها ومؤسساتها، مع شؤونها وشجونها، مع صيفها وشتائها؛ رحلة ممتدة فيها من الحكايات والتجارب ما يستحق أن يُكتب، بل ما يجب أن يُكتب.
إنه حنين يراودني بين لحظة وأخرى، بيد أن مشاغلي الأكاديمية تؤجل تحوّل الحنين الفائر في أعماقي إلى كتاب. وأستطيع أن أقول إن «سيرتي الذاتية»، ومنها سيرتي في المملكة، تمثل مشروعًا قادمًا، وهاجسًا لا يمل الحضور في روحي وعقلي، وأرجو أن يتحقق قريبًا إن شاء الله. ولعل هذا السؤال قد استفز مكامن الأعماق، ودفعني دفعة كبيرة للاقتراب من تحويل الهاجس إلى واقع كائن.