حين يسأل شخصٌ في أقصى العالم تطبيقاتِ التواصل: «كيف يعيش السعوديون؟»، فإن ما يتلقاه هو صورة عالمية عامة راسخة عن المملكة وهويتها؛ اختارت مفرداتِها البياناتُ، ورتبت ملامحَها الخوارزمياتُ. والهوية الثقافية هي منظومة من المعاني والقيم والرموز واللغة والذكريات والممارسات التي يتعرف المجتمع من خلالها إلى ذاته، ويصوغ بها وعيه بنفسه وصلته بالآخر.
والتقنية، في هذا السياق، ليست مجرد وسيلة لحفظ عناصر الهوية وعرضها، بل هي فضاء تفاعلي تُنتَج فيه مكوناتها، وتُرتَّب داخله صورها، وتتداول عبره قصصها ومعانيها. وفي هذا العصر تحديدًا، لا ينبغي أن تُعامل التقنية بوصفها ناقلًا من نواقل الهوية فحسب، بل بوصفها أداة رئيسة وعالية الخطورة في تشكيل الصور الذهنية والتوجهات الفكرية، وإعادة تقديم الثقافات والهويات إلى العالم. فما تعرضه محركات البحث، وما ترجحه المنصات، وما تولده أنظمة الذكاء الاصطناعي، ليس مرآة نقية للثقافة، وإنما تمثيل تراكمي بنته وفرة البيانات أو ندرتها، وأثرت فيه بشدة الأيديولوجيات والأجندات المختلفة التي تدخلت في رسم صور ستستقر طويلًا في الذاكرة العالمية.
يتقاطع هذا التحول مع ما يطرحه كثير من علماء التصورات الذهنية الوطنية وباحثيها بشأن المسافة بين هوية الأمة كما تعرف نفسها، وصورتها كما يدركها الآخرون. فصور الدول لا يرسمها خطابها الرسمي وحده، بل تتكون من تاريخها وثقافتها ومؤسساتها ومنتجاتها وتجارب مواطنيها، ومن مجموع ما يراه العالم عنها. والآن دخلت الخوارزميات طرفًا قويًّا في هذه العلاقة، بوصفها مديرًا رئيسًا غير مرئي ينتقي ويصنف ويترجم، ويعيد تشكيل جميع المتخيلات «من حيث لا نشعر»، مرتبًا ملامح الثقافات والأمم في فضاء الوعي الكوني.
** **
د. فادية بنت عبدالله الشهري - باحثة في التبادل الثقافي ودراسات الترجمة والهوية