حاول الإنسان، عبر العصور، مجاورة الوعي الجمعي واستنطاق النص الشعبي الشفهي، باعتباره الشرارة الأولى الأقرب إلى الذاكرة الإنسانية، والأمين الصادق على التراث، والأوفى في مقاومة الاستلاب والذوبان والتغريب الثقافي. فالأدب الشعبي هو مرآة الشعوب الصافية؛ لا يتشكل من فراغ ترفيهي، بل هو جسر نعبره لملامسة التحولات الكبرى وتوثيق الصدمات التاريخية، ليكون له الفضل في حفظ هذا الموروث وحمايته من الاضمحلال.
ومن هذا المنطلق الأنثروبولوجي، تجلت الهوية الموريسكية الأندلسية في الوسط التطواني؛ ليكون لـ«الحمامة البيضاء» دور الحامي الذي يعانق غربة المهاجرين، ويحفظ هوية الإنسان الأندلسي المحمّل ببذور ثقافية شعبية، تمتد جذورها من الأندلس لتضع «الحمامة البيضاء» عشها على أغصانها المتجذرة.
لم تغلق الأندلس أبوابها بسقوط غرناطة عام 1492م؛ فهي ليست مجرد حقبة زمنية ولّت وانقضت، بل تستدعي حضورها كطيف من فردوس مفقود، وجرح حيّ في صدور التطوانيين؛ هي مكان غائب وبعيد، لكن طيفه حاضر في كل أزقة المدينة. لقد تجاوز الإنسان التطواني البكاء على الأطلال الأندلسية والانغلاق الحزين على النوستالجيا الموريسكية، وسعى إلى خلق أندلس جديدة في مدينته؛ حيث تتكئ الحمامة البيضاء على سفوح جبل درسة، وترنو ببصرها إلى الضفة الأخرى، مستمتعة بحضارة وثقافة غرناطية الهوى. وظلت أطياف الأندلس تتجول بحرية في أزقة المدينة القديمة، وتُسمع من جدرانها الموشحات وأغاني المجالس، معلنةً محاولة استعادة الوطن المسلوب، وتحويل الجرح التاريخي إلى طاقة إبداعية متجددة.
اللسان التطواني: ذاكرة الأندلس المحكية
لم يبقَ الموروث الشعبي مخبأً في معزل، ومحجوبًا عن الأنظار الخارجية، بل أدى التلاحم بين المهاجرين الموريسكيين وسكان تطوان الأصليين إلى ولادة موروث جديد يجمع بين الأصالة والتطور، وكانت الخطوة الأولى والأعمق ظهور اللهجة التطوانية الحضرية؛ وهي لهجة فريدة وراقية تتسم بطابع أندلسي أضفى عليها انخفاضًا صوتيًا وتوجهًا نطقيًا لطيفًا؛ فلو سمعت التطواني يتحدث أمامك لما مللت من سماع عذوبة صوته. وإضافة إلى ذلك، أسهم موقع المدينة الجغرافي في جمعها بين مصطلحات عربية وإسبانية ومغربية، مما أسفر عن تشكّل رصيد معجمي حضري فريد يُعرف بالقاموس التطواني.
وعند ملامسة جدران «الملاح» والمدينة القديمة، والنظر إلى عيون سيدات تطوان الحرائر، ترى حكايات شعبية مصورة، وتسمع من حوائط المدينة حكايات شعبية («الخروفة») تُروى بتفاصيل أندلسية، ولكن بلسان تطواني يستحضر لنا معالم غرناطة الدقيقة بأسوارها وقصورها وحدائقها، وهذا ما يرسم لنا صورة جديدة عن الأندلس، ويعيد إحياء الفردوس المفقود عن طريق المزاوجة بين الأخلاق الإسلامية والرقة الجمالية التي اتسمت بها الضفة الأخرى.
الحضرة التطوانية: عندما يعانق التصوف الموشح
وعلى هذا الأساس، أخشى على الزائر، إن زار تطوان ولم يحضر عرسًا تطوانيًا أصيلًا، أن تفوته رؤية فضاء موسيقي وشعري شعبي يلغي الصراع الثقافي، ويقيم خط امتداد بين الأدب الفصيح والموروث الشفهي العامي، وهذا الامتزاج يضعنا أمام أشعار نخبة من الشعراء تحولت من مادة أدبية نخبوية مكتوبة إلى مادة شعبية شفهية تتردد في المحافل والمجالس، وترسم لنا هوية الإنسان.
ويظهر لنا هذا التلاحم بين الأدب النخبوي وأدب العامة في أبهى صوره من خلال «فن الحضرة التطوانية»؛ وهو فن نسائي متفرد يمتزج فيه الموشح الأندلسي بالمديح المغربي في آل البيت وحب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبنفحات صوفية روحية تسافر بالسامع إلى أبعاد إيمانية وجدانية. كل هذا يأتي في قالب عامي من إيقاعات شعبية تسافر بجمهورها إلى عالم موريسكي يبكي فراق وطن، على أمل العودة القريبة.
وقد أثبت هذا التمازج أن الأدب الشعبي التطواني لم يكن مجرد تعبير شفهي عابر، بل هو إحياء لروح غرناطية، وإلباس بردة أندلسية لمدينة تشع نورًا ببياضها؛ لنستوعب أن نقل الهوية من بيئة ماضٍ مسلوب إلى حاضر حيّ يتطلب كيانًا حيًا قادرًا على تقبل التجدد.
معمار الهوية ورسالة الثقافة الشعبية
وهل نتحدث عن تطوان بوصفها «ابنة غرناطة»، وننسى التجول في شوارعها وأزقتها وأحيائها، أو النظر إليها من أعلى كحمامة بيضاء أرخت جناحيها لتعانق سماءها الصافية وتستنشق رحيقها النقي؟ هذا اللقب ليس مجرد تسمية شرفية، بل هو هوية تتحدث عن تاريخها الذي أسهم في تشكيله الأندلسيون الذين هُجّروا من إسبانيا، فتركوا بصمات جهودهم وتفننهم في أزقة المدينة؛ بداية من مدينتها القديمة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وصولًا إلى الأحياء الاستعمارية التي تمزج الهندسة المعمارية الإسبانية بالروح المغربية الأصيلة، لتبقى تطوان شاهدة حية على ذاكرة الأندلس التي لا تموت.
ختامًا، إن السير على خطى الأندلس في الثقافة الشعبية التطوانية لا يعني رثاء الماضي والحزن على النوستالجيا الموريسكية، بل هو دليل على كيفية مزج التطواني بين ثقافة ماضٍ مسلوب وحاضر حيّ، ليمنح المدينة هوية جديدة أضافت إليها لونًا ممزوجًا بين حضارتين قريبتين جغرافيًا وتاريخيًا، وربما نفسيًا؛ فيجد زائر تطوان راحة نفسية، ولاسيما من تعلق قلبه بالأندلس.
إن صمت غرناطة منذ عام 1492م ليس ضعفًا ولا وهنًا، بل من كل صمت تنفجر حنجرة تُسكت ضجيج المكان؛ وهذا ما حدث في تطوان، إذ أسكتت الهوية الأندلسية ضجيج نفوس التطوانيين، وعالجت جروح أفئدتهم بتلاحم الثقافة. وفي هذا السياق، يسعى عميد الأدب المغربي عباس الجراري إلى إقناع العالم بأن الثقافة الشعبية ليست فولكلورًا معزولًا للاستهلاك الهامشي، بل هي ركيزة بنيوية في تشكيل الشخصية الحضارية للمجتمع؛ مؤكدًا أنها تشكل المخزون الحقيقي للهوية، والدرع الواقية للأمة من تغريب ذاتها واضمحلال معالمها.
** **
جمانة ملوك - باحثة في تحليل الخطاب وديداكتيك المعارف الأدبية - المغرب - تطوان.