لا أظن أن قارئاً عربيًا يجهل شخصية جرير الشاعر الكبير المشهور في تاريخ الأدب العربي، شاعر قديم ينتمي إلى القرن الأول الهجري، ورائد شعراء العصر الأموي، وقطب من أقطاب شعر النقائض مع عدويه: الفرزدق والأخطل.
لقد كنت في زيارة إلى أخي الأستاذ الدكتور عبد اللطيف بن محمد الحميد في داره التراثي الجميل دار تراث الوشم في مدينة شقراء، وقد تفضل علي بإهداء جميل وهو كتابه (الشاعر جرير الخطفي التميمي مقاربة تاريخية آثارية) وهي إصدار دار تراث الوشم في طبعته الأولى 1448هـ/2026م.
ولقد كان تاريخ إقليم الوشم والاهتمام برموزه هو مشروع الدكتور عبد اللطيف الحميد، وشغله الشاغل، ونجده في هذه الكتاب يسلط الضوء على شاعر عربي قديم ينتمي في نشأته الأولى إلى الإقليم، وإلى بلدة أثيثية على وجه التحديد، التي تسمى (أثيفية) كما عند الهمداني (334هـ)، وياقوت الحموي (626هـ)، فكان البحث عن الشاعر جرير بن عطية في ضوء منهج تاريخي آثاري.
من الملاحظات الجيدة أن الباحث اعتمد على نسخة جيدة محققة من ديوان جرير وهو الديوان الذي شرحه أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي العالم اللغوي الكبير المتوفى سنة 245هـ وهو عالم بالأنساب والأخبار وبتحقيق الدكتور نعمان محمد أمين طه
وما أكثر الطبعات التجارية للدواوين الشعرية، البعيدة كل البعد عن التحقيق العلمي، ويكون جامعها كحاطب ليل، لا يبالي فيأخذ كل شعر منسوب للشاعر ولو كانت من الحكايات الشعبية، هذه الطبعات ليست إلا جناية على العلم، أضاعت القيمة العلمية لتلك الدواوين،
وأما في دراسة حياة الشاعر اعتمد الباحث على خلاصة ما توصل إليه الباحث الدكتور جميل سلطان في بحثه الموسوم بـ «جرير قصة حياته ودراسة أشعاره»، وهذا الكتاب يعد دراسة علمية، وما قام به الأستاذ الدكتور عبد اللطيف الحميد إكمال للمشوار العلمي، لكن في ضوء مقاربة تاريخية آثارية، وهكذا الدراسات الناجحة تفتح آفاقًا جديدة للقارئ، وتثير أسئلة مفتوحة، تترك الإجابة عليها لباحثين آخرين.
ثم اعتمد الباحث في مقاربته الآثارية على زيارته الميدانية لبلدة (أثيثية) محاولاً التعرف على موطن الشاعر جرير وتحديد دياره والمسافات الفعلية بين البلدة الحديثة والبلدة الموغلة في القدم، مضيفاً بعض الصور الملونة لهذه المواضع، رغبة في توضيحها وبيان معالمها للقارئ.
وقد استشهد برسالة الباحث عبد الله الراشد للماجستير فاكتشف من خلال التنقيب أن الفخاريات والأواني والخزفيات قد جلبت من بلاد الشام والعراق، ولم يذكر الباحث عنوان الرسالة! ولا مصدرها! ويبدو أنها سقطت سهوًا، والذي استغربته كيف حكم الباحث على هذه الآثار تدل على «أن جريرًا كان يجلبها إلى بلدته في أسفاره المتكررة إلى البصرة ودمشق وبلدان الحجاز» ولم لا يكون غيره؟
لقد اجتهد الباحث في تقديم أدلة تاريخية على أن بلدة أثيثية هي بلد جرير، من خلال النظر إلى ديار قبيلة الشاعر، وتاريخ حفيده عمار بن عقيل المجمع على أنه من أهلها وأثريائها.
ثم أخذ الباحث يستنطق النص الأدبي من ديوان جرير، إذ يؤكد انتماء الشاعر إلى هذا الإقليم، ذاكراً بعض مواضعه، فنجد يذكر: ثرمداء وذا بهدى والقاع، كقوله:
انظر خليليْ بأعلى ثرمداء ضحًى
والعيس جائلة أغراضها خُنُفُ
وكقوله يهجو الأخطل:
هل تعرفون بذي بهدى فوارسنا
يوم الهذيل بأيدي القوم مقتسرُ
وكقوله في هجاء بني سليط:
تمنيتمُ أن تسلبوا القاعَ أهلَه
كذاك المنى غرت جُحيشًا غرورُها
وثرمداء وذو بهدى مواضع مشهورة إلى يومنا الحاضر.
إن شهرة جرير كانت في حواضر الخلافة الأموية في دمشق، لأنه كان شاعر بلاط يتكسب بشعره، وربما غاب عن كثير من الناس أن جريراً ينتمى إلى الديار النجدية، وقد بسط الباحث القول في هذه المسألة.
وأجدني أستحضر تعليقًا للشاعر الدكتور غازي القصيبي حول قصيدة للشاعر عبد الله ابن إدريس رحمهما الله في توديع زوجته:
أأرحل قبلكِ أم ترحلينْ
وتغرب شمسك أم تغربينْ
قال غازي: هذه ربما تكون أول وأجمل قصيدة رومانسية كتبها شاعر من صحراء نجد في زوجته على مشارف التسعين من عمره، في بيئة نجدية لا يكاد الإنسان يسامر زوجته داخل بيته! فكيف يفعل ذلك شعراً وأمام الملأ؟ (انظر: سارة الجهني: الشيخ عبد الله ابن إدريس يصدر ديوانه الثالث، مجلة اليمامة 27/5/2021م.)
قلت: أجحف غازي -رحمه الله- في وصف شعراء نجد بهذا الوصف القاسي؟ يذكر التاريخ أن أول شاعر رثى زوجته هو الشاعر النجدي جرير بن عطية الذي بكى زوجته ورثاها بأرق عبارات الحب والوفاء، يقول في مطلعها:
لولا الحياء لهاجني استعبارُ
ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
ولّهتِ قلبي إذ علتني كبرةُ
وذوو التمائم من بنيك صغارُ
ولقد أراك كُسيتِ أجمل منظرٍ
ومع الجمال سكينة ووقارُ
سامحك الله يا أبا يارا وغفر لك! ظلمت شعراء نجد واتهمتهم بالجفاء والغلظة،أتريد شعرًا أرق من هذا الشعر في الزوجة؟ هذا شاعرنا النجدي الأول (جرير) وهذا شاعرنا النجدي المعاصر (ابن إدريس).
** **
- أشرف بن أحمد العفيصان