سمر العزام - «الجزيرة الثقافية»:
في كتابه الجديد «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2026، يضع الكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي الرقابة أمام مرآتها، لا بوصفها إجراءً إداريًا عابرًا، بل باعتبارها علامة تكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وبين المجتمع والنص الذي يربك يقينه أو يتجاوز حدوده المألوفة.
لا يذهب زولي إلى الكتب الممنوعة بحثًا عن الإثارة التي تحيط عادة بكلمة «محظور»، ولا يستدعيها بوصفها أعمالًا اكتسبت قيمتها من المصادرة. على العكس، ينطلق من سؤال أكثر صرامة: ماذا يعني أن يُمنع كتاب؟ ومن يملك تعريف المنع؟ وأين تنتهي المصادرة المؤقتة ويبدأ الحظر الحقيقي؟ ومن هنا يتحول الكتاب إلى رحلة في حياة النصوص بعد خروجها من يد مؤلفيها ودخولها فضاءً تتقاطع فيه السياسة والدين والأخلاق والقانون والذائقة العامة.
ذاكرة القراءة بوصفها مدخلًا
تبدأ الحكاية من تجربة شخصية. يستعيد زولي سنوات مبكرة كانت فيها بعض الكتب تنتقل بين القراء في شيء من السرية، ويكفي أن يقال عن كتاب إنه ممنوع حتى تزداد الرغبة في الوصول إليه. لكن هذه الذاكرة ليست استدعاءً نوستالجيًا بقدر ما هي بوابة لفهم أثر المنع في صناعة الفضول.
ومع اتساع التجربة، يكتشف المؤلف أن ما كان يوصف بالممنوع لم يكن دائمًا خاضعًا لقرار رسمي؛ فقد يغيب الكتاب من السوق لأسباب تتصل بالتوزيع أو النشر، ثم تتكفل الشائعة بتحويل غيابه إلى حكاية رقابية كاملة. ولهذا يحرص الكتاب على الفصل بين الحظر والمصادرة والمحاكمة والاستبعاد من المناهج أو المكتبات والضغط على الناشرين والرقابة السابقة على النشر.
هذه الدقة المفهومية تمنح العمل طابعًا يتجاوز السرد الصحفي للحوادث، إذ يصبح التحقق من طبيعة الإجراء جزءًا من قراءة تاريخ الكتاب نفسه.
كتب عربية في مواجهة السلطات
يفرد زولي القسم الأول لنماذج عربية تنتمي إلى بيئات وأزمنة وأجناس مختلفة. تحضر الرواية إلى جوار الفكر والتاريخ والشهادة السياسية والشعر، في خريطة تبدأ من «القوقعة» لمصطفى خليفة، وتمر بـ«اللايقين» لمحمد الغزالي و«نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد، ثم تتسع مع «الحرب القذرة» لحبيب سويدية و«سفينة حنان إلى القمر» لليلى بعلبكي و«الحريم السياسي» لفاطمة المرنيسي.
ويواصل الكتاب تنقله بين «العشاق» لرشاد أبو شاور، و«الجنقو مسامير الأرض» لعبد العزيز بركة ساكن، و«تاريخ الكويت» لعبد العزيز الرشيد، و«الأوزان الباكية» لثريا قابل، و«كريستال» لجلبار نقاش و«دادابا» لحسن مطلك، وصولًا إلى «ألف ليلة وليلة».
ولا تجمع هذه الكتب تهمة واحدة أو موقف سياسي بعينه؛ ما يجمعها هو اللحظة التي لم يعد فيها النص مجرد عمل أدبي أو فكري، بل صار موضوعًا لتدخل مؤسسة ترى أن أثره يتجاوز حدود القراءة الخاصة.
حين تعبر الرقابة الحدود
ينتقل القسم الأجنبي إلى مساحة أوسع من الجدل، فيضع القارئ أمام أعمال اكتسب بعضها مكانة كلاسيكية في الأدب العالمي، مع أن تاريخ تلقيها شهد أشكالًا مختلفة من التضييق.
تظهر «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل و«أزهار الشر» لشارل بودلير و«شيفرة دافنشي» لدان براون، إلى جانب «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي و«كفاحي» لأدولف هتلر و«فهرنهايت 451» لراي برادبري. ثم تمتد الخريطة إلى جان جاك روسو وأرونداتي روي وهنري ميلر وإدواردو غاليانو ونغوغي وا ثيونغو وألين غينسبيرغ وميغيل أنخل أستورياس وإيزابيل الليندي وأليكس هالي.
بهذه المجموعة، التي يصل مجموعها مع القائمة العربية إلى ثمانية وعشرين عملًا، يكشف الكتاب أن الرقابة ليست خصوصية جغرافية أو ثقافية، وأن المبررات تتغير من مجتمع إلى آخر، بينما يبقى القلق من أثر النص حاضرًا بصيغ مختلفة.
ما الذي يبقى بعد المصادرة؟
من النقاط اللافتة في الكتاب رفضه الفكرة الشائعة القائلة إن المنع يصنع الشهرة دائمًا. صحيح أن بعض الأعمال استفادت من الضجة التي صنعتها الرقابة، لكن المؤلف يلفت إلى الجانب الآخر: طبعات أتلفت، نصوص تعطلت، كتب غابت عن قرائها، وكتاب وناشرون تحملوا خسائر شخصية ومادية.
بهذا المعنى، لا تتحول الرقابة في «نيران على الرفوف» إلى عامل دعائي بريء، بل تبقى قوة قادرة على تغيير مسار النص، حتى لو لم تستطع محوه بالكامل.
ومن هنا يهتم زولي بما يمكن تسميته «الحياة اللاحقة للكتاب»: كيف عاد إلى التداول؟ وكيف تغيّرت قراءته بعد سنوات؟ وهل بقيت الأسباب التي استخدمت لحظره مقنعة بعد تغير السياق السياسي أو الاجتماعي؟
الرقابة حين تصبح غير مرئية
لا يتوقف الكتاب عند التاريخ التقليدي للحظر. فزمن المنصات أعاد تشكيل العلاقة بين الكتاب والرقابة. لم تعد المسألة مرتبطة دائمًا بمصادرة النسخ الورقية، بل يمكن أن تتجسد في إخفاء عمل من منصة، أو الحد من و صوله، أو الضغط على الناشر، أو دفع الكاتب إلى ممارسة رقابة على نفسه.
وهنا يطرح زولي واحدة من أكثر صور الرقابة تعقيدًا: النص الذي لا يصل أصلًا إلى الصفحة، لأن صاحبه استبق المنع وحذفه قبل أن يكتبه.
مشروع يتسع من الشعر إلى نقد القراءة
يأتي «نيران على الرفوف» ضمن مسار أدبي لإبراهيم زولي يتوزع بين الشعر والكتابة النثرية والمقال الثقافي. وقد أصدر تسعة دواوين شعرية، إلى جانب أعمال نثرية من بينها «شجر هارب في الخرائط»، و«مخرج للطوارئ - نصوص مفتوحة»، و«ما وراء الأغلفة- روائع القرن العشرين»، و «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، فضلًا عن نشر نصوص ومقالات في صحف ومجلات عربية وترجمة بعض قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية.
ويبدو كتابه الجديد امتدادًا لهذا الانشغال بالقراءة والكتب، ولكن من جهة أكثر توترًا: ماذا يحدث للنص حين يصبح موضع خوف؟
في النهاية، يدافع «نيران على الرفوف» عن فكرة تتجاوز الدفاع عن كتاب بعينه: أن حق القراءة يسبق حق الإدانة، وأن الاختلاف مع النص لا يبرر منعه من الوصول إلى قارئ قادر على تكوين حكمه بنفسه. فالكتاب، في هذه الرؤية، لا يطلب الحصانة من النقد، وإنما يطلب فقط فرصة أن يُفتح قبل أن يُغلق عليه الباب.