الثقافية - علي القحطاني، سمر العزام:
يُمثّل الأمن الركيزة الأساسية لبناء الدول واستقرار المجتمعات، وهو في التجربة السعودية مسارٌ تاريخي امتد منذ تأسيس الدولة، وأسهم في ترسيخ وحدتها وتعزيز تنميتها وصون هويتها الوطنية. وقد جاء «مؤتمر حوار الأمن والتاريخ» ليقرأ العلاقة الوثيقة بين الأمن والتاريخ، عبر رؤى علمية وثقافية متعددة.
وفي هذا الاستطلاع الذي أعدّته صحيفة «الجزيرة»، يقدّم عدد من المثقفين والأكاديميين والمشاركين رؤاهم حول أبرز مضامين المؤتمر، ودوره في توثيق التجربة السعودية وتعميق الوعي بأثر الأمن في بناء الدولة واستدامة التنمية.
المواطنة والهوية الوطنية
وعلى هامش مشاركته في مؤتمر «الأمن والتاريخ»، تحدَّث لـ«الجزيرة الثقافية» الرمز الثقافي أ. حمد بن عبدالله القاضي، عضو مجلس الشورى الأسبق، عن أهمية المؤتمر في إبراز العلاقة الوثيقة بين الأمن وصناعة التاريخ، ودوره في قراءة التجارب التاريخية واستلهام دروسها لتعزيز الوعي الوطني، مؤكدًا أن المؤتمر يمثّل منصة علمية للحوار وتبادل الرؤى بين الباحثين والمتخصصين.
وقد شارك القاضي بورقة قيّمة في ندوة الهوية الوطنية بالمؤتمر، ومما جاء فيها:
«حين وحّد الملك عبدالعزيز الوطن وجمع شتاته، أدرك أن للوحدة مقومات:
1- بلورة مخرجات الوحدة وإيجابياتها:
كان هاجس الملك عبدالعزيز، بعد توحيد شتات تراب الوطن، هاجسَ الأمن وترسيخه داخل المدن وخارجها، وفي تأمين الطرق عند سفر المواطنين، وتأمين طرق القادمين إلى المملكة للحج والعمرة.
فقد كان المواطنون والقادمون يخافون على أنفسهم وعلى ممتلكاتهم وهم يسيرون في الطرق، فجعل الملك عبدالعزيز مستهدف الأمن أول أولوياته بعد توحيد الوطن، وقال في البيان الذي وجّهه إلى سكان مكة المكرمة، في 8 جمادى الآخرة 1344هـ، في أول لقاء له معهم بعد انضمامها إلى الوطن: (إن أهم شيء عندي وجود الأمن في مكة، في بيوتكم وأسواقكم، وتأمين الطرق التي يسلكها الحجاج والمعتمرون للحج والعمرة).
وحذّر، رحمه الله، من إفساد الأمن أو إثارة الفتن، مؤكدًا أن البلاد لا يصلحها إلا الأمن والسكون.
آليات الوحدة
1- بدأ بلقائه أهل مكة، وأبان لهم أن هدفه نشر الأمن لهم وللحجاج.
2- الملك عبدالعزيز، رحمه الله، راهن على العلم والمعرفة والوعي. ففي ((المربع العلمي))، أعطاه ما يستحقه من اهتمام واحتفاء، بل جعله إحدى أهم أولوياته بعد ترسيخ ركائز الأمن.
لقد كانت أولى خطواته، خلال التوحيد وبعد استكماله، ((توطين البادية)) وتعليمها، وكان هذا أحد أهم منطلقات الوحدة والاستقرار، والإسهام في التنمية والحفاظ على الوحدة.
والمسلك التعليمي الآخر كان إرساله إلى كل بلدة يستردها عالمًا يعلّم الناس القراءة والكتابة ومبادئ الدين الحنيف، من منطلق أن المعرفة أُسٌّ للوحدة ومدماكها الأهم، كما شجّع حلقات الذكر والعلم في المساجد والهجر.
ثم، بعد استقرار أمره، توجّه إلى ميدان ثقافي آخر، ألا وهو طباعة أمهات الكتب ونشرها وتوزيعها مجانًا؛ للمزيد من نشر أضواء العلم والمعرفة.
ثم في عهده وعهد أسلافه تواصل المنجز الثقافي عبر المكتبة والمدرسة والمعهد والجامعة والجامع والصالون الأدبي والمنتدى الثقافي.
وكان من أولويات وحدة الوطن الاهتمام بالإنسان الذي أصبح هدفًا استراتيجيًّا لجميع خطط التنمية الخمس، ثم رؤية الوطن.
إن فلسفة التنمية بالمملكة وبناء إنسانها قامت على مكونات المواءمة بين منارة الجامع ومنار الجامعة، وبين زرع سنابل القمح وإقامة فصول المدارس، في تناغم جميل كان أحد أهم عوامل الوحدة والاستقرار.
ولقد راهن خلفاء الملك عبدالعزيز على أثر المعرفة وتأثيرها في ترسيخ الوحدة ونشر الرخاء، فأولوا العلم كل اهتمامهم.
من هنا، بارك المؤرخون المنصفون هذه الوحدة بأبعادها الأمنية والاجتماعية والثقافية والحضارية، ولا يملك المحب لهذا الوطن، من زاوية أخرى، إلا أن يطمئن على مسيرة هذا الوطن ومنظومته اتحادًا ونماءً وإنسانًا!
((ثقافة الناس)) هي التي تستطيع أن تراهن عليها الأمم في بقائها ونمائها، وبقدر اتسام هذه الثقافة بالعمق والشمولية ونشر قيم التسامح وخطاب التنوير الذي يهدف إلى بناء الأمة وطرد عوامل التمزق!
((الثقافة)) العامل الأساس في أي حراك تنموي أو اجتماعي، وهي القادرة على جعل الناس يتفاعلون ويفيدون من أي منجز أو مكسب تنموي!
3- زرع الوئام الاجتماعي بين أطياف المجتمع في كل المناطق، وهذا الوئام، أو ما نسميه العقد الاجتماعي، هو أحد مكونات الوحدة الوطنية وشكلها الاجتماعي. وعندما يقوى الوئام، لا يستطيع أي أحد أن يخترق هذا النسيج الاجتماعي الموحّد بالهدف والمصير.
ونرى اليوم ما تحقق من تناغم بين أبناء الوطن، وأن وحدة الوطن واستقراره هما الركيزة الأولى، ثم تأتي بعدهما التنمية؛ فلا تنمية بلا أمن واستقرار»
حكاية التأسيس وتحدياته
كما نوّهت الأديبة والروائية البارزة الأستاذة أميمة الخميس بنجاح المؤتمر، قائلةً:
«وزارة الداخلية، تلك القلعة الوقورة التي طالما بدت غامضة بهيبتها ووقارها، ماذا يحدث عندما توارب بوابتها، وتقرر تغيير بعض تفاصيل صورتها النمطية؟ تلك الصورة التي كرّسها إعلام خطابي تقليدي، عجز عن استثمار أهم منجزات هذه القلعة: الأمن والأمان.
ذلك المنجز الذي بات يمثّل ظاهرة عالمية في دولة بحجم قارة؛ يترك سكانها منازلهم بلا أقفال، وسياراتهم ومفاتيحها بداخلها، أما مقتنياتهم التي ينسونها فإما أن يجدوها تنتظرهم في مكانها، وإما أن تُسلَّم إلى الجهات الأمنية.
إنه أمر لا علاقة له بالدولة البوليسية أو مفهوم «الأخ الأكبر»؛ فالأمن علامة تجارية سعودية نادرة، سعى مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» إلى إبرازها، إلى جانب إظهار حيوية الروح الشابة التي تسري اليوم في أوصال وزارة الداخلية.
إنه المكان يحاور الزمان، ويستنطق حكاية التأسيس وتحدياته، وبطولات إنسان هذه الجزيرة، بوصفها جزءًا من صناعة هذه العلامة الوطنية النادرة.
وقد تنبأت بهذا النجاح منذ اللحظة التي تواصل فيها معي فريق التنظيم؛ فالمهنية والدقة والحرص كانت عوامل قادت إلى ما قُدِّم لاحقًا من محتوى وثائقي وفكري وتاريخي متميّز وثمين ممكن إضافة، ولن نغفل شراكة هذا المؤتمر مع دارة الملك عبدالعزيز ذاكرة الوطن وأرشيفه المخلص، والهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض والتي لها في كل موقع تمر به بصمة ملكية).
حكاية تاريخ الأمن وتطوره في المملكة العربية السعودية
وأشاد الدكتور محمد بن عبدالله آل زلفة في كلمته لـ«صحيفة الجزيرة»بأهمية مؤتمر الأمن والتاريخ، ودوره في توثيق مسيرة الأمن وتطوّره في المملكة، وقال:
يُعدّ مؤتمر الأمن والتاريخ من أهم المؤتمرات في مدينة الرياض؛ لمناقشة الحوار حول الأمن والتاريخ، وهو موضوع مهم جدًّا يتناول تاريخ الأمن وتطوّره في المملكة العربية السعودية، التي تأسست أساسًا على ترسيخ مفاهيم الأمن في مساحاتها الشاسعة، وهو ما كان مفقودًا قبل توحيد المملكة.
وقد أقامت وزارة الداخلية، مشكورةً، هذا المؤتمر ليحكي تاريخ الأمن في المملكة، وشارك فيه عدد كبير من المثقفين والأكاديميين؛ ليدلوا بشهاداتهم حول تطوّر هذا المرفق الأمني في المملكة منذ مراحله الأولى إلى هذا العصر، الذي أصبح فيه الأمن ركيزةً في بلادنا، بل في المنطقة بصفة عامة.
ونتمنى أن تستمر وزارة الداخلية في عقد هذا المؤتمر سنويًّا؛ لما يمثّله من أهمية.
أهمية مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ»
وفي مشاركة د. عبداللطيف الحميد في هذا الاستطلاع لـ»صحيفة الجزيرة»، تحدّث عن أهمية مؤتمر حوار الأمن والتاريخ وتنوّع موضوعاته ومشاركة نخبة من الباحثين والباحثات، قائلًا: وتحدّث الدكتور عبداللطيف الحميد عن أهمية مؤتمر حوار الأمن والتاريخ، وما شهده من مشاركة علمية واسعة وموضوعات متنوعة، وقال:
مؤتمر حوار الأمن والتاريخ من أميز وأكبر المؤتمرات العلمية التي أقيمت مؤخرا بالعاصمة الرياض (سبتمبر 2026م) برعاية وتنظيم وزارة الداخلية وجهات عديدة أخرى، بحضور 160 باحثا وباحثة من داخل المملكة والعالم العربي وقد نوقشت موضوعات تاريخية واجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وإعلامية محورها الأمن والاستقرار والتنمية والهوية في الإطار التاريخي السعودي خلال ثلاثمائة عام عهد الإمام المؤسس محمد بن سعود إلى يومنا الحاضر: عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان أيدهما الله.
وقد تنوعت الطروحات المقدمة من مختصين مدنيين وعسكريين وأكاديميين رجالاا ونساء.. وكلها تناولت العلاقة المتلازمة الدائمة بين الأمن والاستقرار والتنمية والرخاء عبر التاريخ، وأن مفهوم الأمن يتعدى المفهوم التقليدي إلى مفاهيم مستجدة في الوعي الاستباقي وفي الدراسات المعمقة اجتماعيا واقتصاديا والإفادة من التقنية الحديثة.
وقد تناولتُ في ورقة العمل المشاركة في الندوة في محور (الشواهد التاريخية والتاريخ الإداري الحكومي: بناء مؤسسي راسخ للأمن والتنمية): جهود الدولة خلال ثلاثمائة عام في مجال الأمن والتنمية وكيف تعززت هذه الجهود في مشروع توحيد المملكة العربية السعودية من خلال معطيات خدمة الدولة للحرمين الشريفين، وتأمين سبل الحج، وبسط الأمن والاستقرار والتنمية وهي السياسة التي تبناها الملك عبدالعزيز وأبناؤه الملوك إلى يومنا الحاضر في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين حفظهما الله.
الأمن والتاريخ، بقاء الإنسان ومدونة البقاء
وتحدّث الدكتور محمد خير البقاعي في هذا الاستطلاع لـ»صحيفة الجزيرة « عن العلاقة الوثيقة بين الأمن والتاريخ، وما يمثّله المؤتمر من أهمية، قائلًا: يعد هذا المؤتمر الذي دعت إليه وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية برعاية وزيرها الشاب صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز وفقه الله منطلقا لمقولة كرّسها هذا المؤتمر مفادها:
لا تاريخ بلا أمن، ولا استمرارية آمنة، وتمكنا مترسخا بلا تاريخ. لذا يعد هذا المؤتمر علامة فارقة في تاريخ المؤتمرات التي تجمع بين مصطلحين لا يقوم أحدهما بمعزل عن الأخر.
فالأمن: مصطلح يكتنز كل ما يحتويه الكون من إمكانات الحياة المستقرة التي تسعى إليها فطرة الخلق؛ فكل ما خلق الله يسعى لأمنه بما أوتي من إمكانات الحماية.
والأمن في عنوان المؤتمر هو أمن البلاد والعباد الذي يقرنه العنوان بالتاريخ الذي يعد الذاكرة البشرية في أرقى تجلياتها لتدوين مسيرة البشر، وكيف تكون آمنة، وكيف تجلى ذلك في تاريخ الدولة السعودية في القرون الثلاثة التي وضعت الأساس الآمن لبناء ما نعيشه اليوم في استمرارية لقيت بعض العوائق التي كانت تشحذ همة بناة الدولة، وينقلونها لشعبهم الذي كان يوليهم الثقة في مراحل البناء كلها. لقد كان الأمن بناء شيدته الدولة السعودية منذ الإمام محمد بن سعود رحمه الله وحتى العهد الزاهر لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز يحفظه الله. الأمن يصنع الحياة، والحياة تصنع التاريخ، والتاريخ يحفظ الذاكرة، والذاكرة ينعشها القادة الذين تسمو بهم رؤاهم فترتقي بهم الشعوب، وتتجدد القيم. لقد كان المؤتمر الشعلة التي يستضيء بها أولئك الذين يسهرون على أمن البلاد وتاريخها.
حماية الذاكرة الوطنية
وأشار الكاتب والمخرج المسرحي ياسر مدخلي، المدير التنفيذي لديوانية القلم الذهبي، في كلمته لـ»صحيفة الجزيرة « إلى العلاقة بين الأمن والتاريخ ودور الثقافة في حماية الذاكرة الوطنية، قائلًا:
ليس الأمن فصلًا منفصلًا عن التاريخ؛ بل هو القوة الصامتة التي تتيح للتاريخ أن يُكتب، وللإنسان أن يبني، وللثقافة أن تزدهر. ومن هذه الرؤية اكتسب «مؤتمر حوار الأمن والتاريخ» قيمته؛ إذ أعاد قراءة التجربة السعودية بوصفها مسيرة دولة جعلت من الأمن أساسًا للعمران، ومن الاستقرار بوابةً للتنمية، ومن الوعي ضمانةً لاستدامة المنجز.
وقد أكدتُ في جلسة «الثقافة مرآة الأمان والتنمية وقصة الإنسان تاريخيًا» أن التاريخ لا تصونه الوثائق وحدها؛ بل تحفظه أيضًا القصيدة والرواية والمسرحية والفيلم، حين تحوّل الوقائع إلى ذاكرة حيّة، وتمنح الأجيال وعيًا بجذورها ومسؤوليتها تجاه وطنها.
إن حماية الوطن تبدأ بحماية روايته؛ فالأمن الثقافي ليس ترفًا، بل أحد أعمق أبعاد الأمن الوطني. ومن هنا جاء المؤتمر محفلًا يتجاوز استذكار الماضي إلى بناء وعيٍ يحرس المستقبل. خالص الشكر لوزارة الداخلية والقائمين عليه؛ فقد قدّموا لقاءً يليق بمملكةٍ تصنع تاريخها بالأمن، وتصون أمنها بالوعي.
المؤتمر وتعزيز الهوية الوطنية
وفي مشاركة للأستاذ سهم بن ضاوي الدعجانيحول هذا الاستطلاع لـ»صحيفة الجزيرة» أشار إلىنجاح مؤتمر حوار الأمن والتاريخ، وتنوّع موضوعاته ومشاركة نخبة من المسؤولين والباحثين والمتخصصين، وقال:
سأبدأ بما قاله الأستاذ أحمد الطويان المستشار بمكتب الوزير والمشرف العام على مؤتمر حوار الأمن والتاريخ في كلمته في حفل افتتاح المؤتمر بحضور سمو وزير الداخلية عندما قال: إن للمؤتمر ثلاث رسائل الأمن منهج ثابت لا وليد ظرف، وقصة السعودية من بداية الطريق إلى «وطن راسخ ومسيرة ممتدة»، وأن لا تنمية بلا أمن ولا مستقبل بلا تاريخ»، ولقد جمع المؤتمر خلال ثلاث أيام، أكثر من 160 متحدثا من المسؤولين والباحثين والمتخصصين، لطرح رؤى وتجارب متنوعة حول أبزر المحطات في رحلة ازدهار وتقدم المملكة.
، كما تميز المؤتمر بحضور معرفي متنوع، أثرى النقاش والحوار الإيجابي حول موضوعات الهوية والوعي الوطني، والمجتمع والثقافة، والأمن والاستقرار والتنمية، تاريخ الأمن، وبناء الدولة، والهوية الوطنية، والتنمية، والشخصية السعودية، والوعي الوطني.. وغيرها من الموضوعات التي تم تناولها داخل أروقة المؤتمر ومقر سكن الضيوف في الفندق، والحقيقة أن المؤتمر في نسخته الثانية أصبح منصة تجمع المتخصصين والباحثين وقادة الرأي لإنتاج محتوى معرفي موثق سيكون نبراسا للشباب.
وختم الأستاذ سهم الدعجاني مداخلته بقوله : لقد كان المؤتمر حواريا فكريا تاريخيا بامتياز، نجحت وزارة الداخلية تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير
عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية، في تنظيمه من خلال جمع المتخصصين والباحثين وقادة الرأي لمناقشة العلاقة بين الأمن والتاريخ، وأثرها في بناء الوطن وتعزيز الهوية الوطنية واستدامة التنمية، مما جعل من المؤتمر أيقونة أمنية تخاطب الفكر والعقل قبل المشاعر.
التأملات الفلسفية في معنى الأمن والاستقرار والعمران
وفي قراءته لمضامين المؤتمر، أكد الأستاذ يوسف الديني أن «الأمن والتاريخ» تجاوز الطرح التقليدي لمفهوم الأمن، ليقدّمه ضمن سياق وطني أوسع يربط بين بناء الدولة وترسيخ الاعتدال وصناعة الوعي، وقال : سعدت بالمشاركة في مؤتمر «الأمن والتاريخ»، في محورين يرتبطان مباشرة بأحد الأسئلة التي أراها جوهرية في قراءة التجربة السعودية؛ أولهما الاعتدال كما كرّسه الملك عبدالعزيز في بناء الدولة وإدارة المجتمع والتعامل مع التحولات، وثانيهما دور الوعي في صناعة الاعتدال وتعزيز مناعة المجتمع في مواجهة التطرف والانغلاق.
وما ميّز المؤتمر، في تقديري، أنه لم يتعامل مع الأمن باعتباره مفهوماً مؤسسياً أو إجرائياً محدوداً، وإنما أعاده إلى سياقه الأوسع بوصفه ثمرة لمسار تاريخي طويل، وقيمة تتصل ببناء الدولة، واستقرار المجتمع، وتكوين الوعي، وحماية الهوية، وصناعة التنمية.
لقد قدّم المؤتمر صورة بانورامية واسعة للتجربة السعودية؛ صورة يتعالق فيها التاريخ بالأدب، والجغرافيا بعلم الاجتماع، والسياسة بالثقافة، وتمتد إلى التأملات الفلسفية في معنى الأمن والاستقرار والعمران. وهذه المقاربة منحت النقاش ثراءً خاصاً، لأنها لم تكتف بسرد الوقائع، بل ذهبت إلى فهم ما وراءها من أفكار وتحولات وقيم، وكيف تشكّلت التجربة السعودية عبر تفاعل الإنسان والمكان والدولة والوعي.
وإذا جاز لنا أن نلخّص المؤتمر في جملة واحدة، فهو محاولة عميقة لقراءة الأمن باعتباره سردية وطنية متكاملة، لا تنفصل فيها قوة الدولة عن وعي المجتمع، ولا التاريخ عن المستقبل، ولا الاستقرار عن التنمية؛ وهي، في تقديري، إحدى أهم الزوايا لفهم التجربة السعودية وخصوصيتها.
مفهوم الأمن وبناء المسارات التنموية
وفي قراءةٍ لأبرز ما خلص إليه المؤتمر، رأى الدكتور علي بن حمد الخشيبان أن «الأمن والتاريخ» نجح في إبراز الترابط العميق بين استقرار الدولة ومسيرتها التاريخية، مقدّمًا مقاربة سعودية تربط الأمن بالتنمية وبناء الإنجاز، وقال: لقد ساهم مؤتمر الامن والتاريخ وبمشاركة نخبة من الأستاذة والمهتمين من الجنسين من داخل وخارج المملكة في انجاز قراءة دقيقة للصورة الواقعية للعلاقة التي يرتبط بها مسار الامن بالتاريخ، ليس من خلال رصد الاحداث وتسجيلها او تحديد رموزها، ولكن من خلال بناء الصورة الكاملة للشراكة الكبيرة التي تربط التاريخ بأحداثه وقصصه الملهمة ونتائجه بعامل مهم هو الامن.
لقد كانت نقاشات المؤتمر عالي التنظيم والانجاز والاشراف والتي استمرت لثلاثة أيام مساهمة فعالة لتحقيق قراءة مبتكرة لمفهوم الامن وعلاقته بالاستقرار والتنمية والتطور، من خلال صياغة مفهوم الامن ووضعه في قالب تاريخي سعودي خاص امتد لثلاثة قرون مضت هي عمر الدولة السعودية، لقد ساهم هذا المؤتمر بلا شك بعرض الحقائق والمعلومات كما هي في الواقع لتثبت للمتلقي في هذا المؤتمر وخارجه ان مفهوم الامن يرتبط وبشكل كبير في تحقيق وصياغة الإنجازات للدول وبناء المسارات التنموية.
هذه صياغة صحفية بسيطة للتمهيد، مع إبقاء كلمة الأستاذ عبدالرحمن السيد كاملة كما وردت:
مخرجات المؤتمر
وفي قراءته لمخرجات المؤتمر، رأى الأستاذ عبدالرحمن السيد أن الجمع بين الأمن والتاريخ أسهم في ترسيخ الوعي بالهوية الوطنية، مؤكدًا أهمية دور المؤسسة الثقافية في حفظ الذاكرة وصناعة الوعي، وقال:
خرجت من مؤتمر حوار الأمن والتاريخ بانطباع راسخ أن التاريخ في حياة الأمم مصدر للوعي، ومستودع للتجربة، ومرجع يعين المجتمعات على فهم حاضرها واستشراف مستقبلها، ومن هنا جاء الجمع بين الأمن والتاريخ موفقًا، ولا سيما أن المملكة تعيش مرحلة تحول واسعة ومتسارعة.
وقد أكدت من خلال مشاركتي في جلسة الثقافة والفنون وتعزيز الأمن الفكري على أن المؤسسة الثقافية مؤتمنة على ذاكرة المجتمع، ومسؤولة عن جعل هذه الذاكرة حاضرة في حياة الناس وقادرة على الوصول إليهم وسط تدفق هائل من المحتوى؛ فامتلاك المحتوى الصحيح الذي لا يصل، لا يصنع وعيًا.
والصلة بين الثقافة والأمن الفكري وثيقة؛ فالإنسان الذي يعرف تاريخ وطنه ويفهم سياقه ويمتلك أدوات التمييز يكون أكثر ثقة بهويته وقدرة على الانفتاح على العالم، والوعي المتين يبني في الإنسان ميزانه الداخلي ليواجه به أي فكرة مضللة.
وقد انتهت جلسات المؤتمر وبقي أثر الأسئلة التي طرحها، والتي أرجو أن تنتقل إلى مشروعات ومحتوى وشراكات تقرّب التاريخ من الأجيال الجديدة بأدوات عصرها، وتعزز حضور ثقافتنا في العالم.. فتاريخ الأمة يعيش حين يعرفه أبناؤها ويدركون معناه ويجد كل جيل منهم نفسه في صفحاته، ثم يحمله واثقًا إلى المستقبل.