اعتدنا أن نقيس علاقتنا مع الأشياء بألفتنا معها، اعتدنا أن نرى الغربة طارئا، والألفة أصلا. اعتدنا أن نرى الغربة نقصا وعيبا، فبحثنا عن كل الطرق للتخلص منها، اعتدنا أن نرى الألفة اكتمالا واطمئنانا فسعينا لها، وخفنا من كل ما يبعدنا عنها. نتعامل مع الغربة على أنها مرحلة مؤقتة يجب تجاوزها، تبدأ علاقتنا مع الأشياء بغربة نحاول تقليلها يوما عن يوم، عُلّمنا أن نتخلص من غربتنا: «تعرّف على الآخرين»، «تعرّف على الأماكن»، «تآلف مع الأشياء واعتدها ليسهل التعامل معها»، ولم نحاول أن نفهم الغربة.
نولد غرباء، ونقضي أعمارنا محاولين التخلص من غربتنا، نحاول أن نؤلف بين أنفسنا وبين العالم.
ترتبط الغربة بالبعد وعدم الألفة، بُعد المكان وبُعد الشعور، نحمل حكما سلبيا مسبقا لكل ما هو غريب، نشعر بالقلق تجاه كل ما هو غير مألوف، وننسى أن الغربة قد تكون أوضح للرؤية وللتأمل، وأقرب لإنسانيتنا ولحالنا في هذه الحياة.
لكن ماذا لو كانت الغربة هي الأصل، وكانت الألفة هي الطارئة؟ ألا ترى أننا نتعامل مع الغريب بشيء من التأمل والتريث؟ ونتعامل مع ما ألفنا بشيء من العجلة؟ أليست غربتنا عن الأشياء تجعلنا نراها بوضوح؟ ألسنا نعيد النظر في الأشياء حين نفقد الألفة معها؟
حين نعتاد الأشياء نألفها، فنحول الشيء الجميل إلى شيء عادي، نفقد الدهشة التي تصاحب الغربة، وتتحول الأشياء إلى أشياء روتينية. الألفة بقاء في المنتصف، ابتعاد عن الحدود التي تخرجنا إلى عوالم أخرى. الألفة اقتراب من العادي، وابتعاد عن الدهشة.
الألفة ملل، لا لكون الأشياء مملة، بل لأننا ألفناها حتى مللناها فكففنا عن رؤيتها. ننسى دهشة اللقاء الأول، ونستبدل جمال الأشياء بنفعيتها، تتحول الأشياء الجميلة إلى أشياء موجودة في الخلفية دون اهتمام، فقط لأننا ألفناها.
الغربة مسافة، مسافة بينك وبين الأشياء، بينك وبين المكان، بينك وبين الآخر، مسافة تتيح لك الرؤية والانبهار والدهشة. إن كانت الغربة تحمل كل هذه المعاني الإيجابية الممكنة، فلماذا لم نرَ منها إلا وجهها السلبي؟
نذمّ الغربة ونحاربها، ونقاومها بكل ما نملك: نبحث عن الانتماء، عن الجماعة، عن التشابه، عن الطمأنينة. ننتقل من الغربة إلى الألفة، ونستنكر غربتنا، لنقع في فخٍّ آخر: فخّ الألفة. ألفة الأشياء ابتعاد عن جمالها وتميّزها وغرابتها الجميلة. الألفة تعتيم للصورة؛ تُغفل التفاصيل الصغيرة، وتركّز على الكلّ، على الاستخدام، على الفائدة.
أن تنتقل من الغربة إلى الألفة يعني أن تُلغي المسافة بينك وبين الجمال. وأن تلغي المسافة يعني أن تفقد الرؤية. أن تعتاد العادة حتى تتملّكك.
يقول محمود درويش: «لا ظلّ للغرباء»؛ لأن الظلّ يفترض ثباتا يتطلبه طول الإقامة أو الألفة، والغريب كائن متحرك، لا يقيم طويلا. لكن الغربة صعبة، يقول أحمد عبد المعطي حجازي: «أواجه ليلي القاسي بلا حبّ، وأحسد من لهم أحباب، وأمضي في فراغ بارد، مهجور، غريب، في بلاد تأكل الغرباء»؛ لأن العالم لا يحتمل من لا يذوب في ألفته.
ليس غريبا أن يحث ديننا على تبني الغربة والبقاء فيها، ويحاول أن يبعدنا عن الألفة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، لا تألف هذه الدنيا لأنك لن تبقى فيها طويلا، لا تذب في الألفة لأنها ستضيع عليك شيئا كثيرا، الغربة ليست انعزالا، بل اختلافا عن السائد، من يبتعد عن السائد يحافظ على نفسه، يحافظ على مبادئه، يحمي نفسه من أن يذوب في الآخر.
نمضي أعمارنا بين الغربة والألفة. نجد الأشياء فنقترب منها ونلغي غربتنا معها، وننسى أن الغربة تكسر، لكنها تقوّي. تفقدنا الانتماء للآخر لننتمي لأنفسنا أكثر، تمنحنا معنى أعمق للانتماء.
اعتد غربتك، تصالح معها، أحسن الإقامة فيها، اقبل المسافة بينك وبين كل ما حولك؛ لتنجو من ملل الألفة، ولتحافظ على دهشتك وتفردك.
كل ما في الأمر أننا غرباء نحاول أن نألف ونؤلف. نحن عالقون دائمًا بين الغربة والألفة. والأولى أن نبقي على غربتنا، «فطوبَى للغُرباءِ».
** **
- د. عبير علي الجربوع