تجسد جدة التاريخية تراثًا معماريًا سعوديًا فريدًا على ساحل البحر الأحمر، حيث يمثل أسلوب البناء فيها نمطًا كان سائدًا في مدن هذا الساحل قديمًا، ولم يتبقَّ منه سوى القليل خارج هذه المدينة.
يتميز هذا الأسلوب بأبراجه الفخمة التي تُزيَّن بهياكل خشبية مُزخرفة، تُستخدم كواجهات كبيرة للنوافذ أو شرفات تُعرف بـ«الروشانات». بناها نخبة التجار في المدينة في أواخر القرن التاسع عشر، وتضم كذلك منازل مبنية من الحجر المرجاني السفلي، ومساجد، وأربطة، وأسواقًا، وساحات عامة صغيرة، تتشكل معًا لتكوِّن مساحة نابضة بالحياة.
لجدة التاريخية دورٌ رمزي بصفتها بوابة مكة المكرمة للحجاج المسلمين الواصلين إلى شبه الجزيرة العربية بالقوارب منذ القرن السابع الهجري، عندما جعلها الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ميناءً رسميًا لمكة. وقد أضفى عليها هذا الارتباط الوثيق بموسم الحج السنوي تنوعًا سكانيًا عالميًا، إذ أقام وعمل فيها مسلمون من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، مما أسهم في نمو المدينة وازدهارها.
تُمثل جدة التاريخية نموذجًا فريدًا للثقافة السعودية المحلية، متأثرة بخلفيتها الجغرافية والثقافية والدينية، وازدهرت بفضل قربها من الأماكن المقدسة في الحجاز، حيث كانت بمثابة واجهة بحرية انطلاقًا منها وإليها. وخلال العصور، شكلت بوابة غربية لشبه الجزيرة العربية، مرتبطة بالتجارة البحرية الدولية في البحر الأحمر وما يليه من المحيط الهندي جنوبًا والبحر الأبيض المتوسط شمالًا بعد إنشاء قناة السويس.
إن المشهد الحضري المتميز لأحياء جدة التاريخية، والذي يتميز بحلول معمارية وتقنيات جمالية مبتكرة ومُصممة خصيصًا للتكيف مع الظروف المناخية القاسية في المنطقة كالحرارة والرطوبة، هو نتاج تبادل ثقافي هام بين المعماريين السعوديين والحضارات المجاورة؛ تبادل شمل القيم الإنسانية والمعرفة التقنية ومواد وتقنيات البناء عبر منطقة البحر الأحمر، التي كانت قلب العالم القديم ومركز تجارته وتبادله الحضاري عبر العصور.
أدرجت جدة التاريخية في قائمة اليونسكو للتراث العالمي في عام 2014م، بوصفها مركزاً ثقافياً وتجارياً مزدهراً عبر التاريخ يجمع بين تقاليد البناء الساحلية في البحر الأحمر وأساليب معمارية متنوعة.
** **
المهندس عبدالرحمن ماجد الشهيوين - رئيس ومؤسس الجمعية السعودية للعمارة والتخطيط