جرى على ألسنة العامة إطلاق وصف «الطرّار» أو عبارة «فلان يطرّ» ويريدون به معنى الشحاذة والتسوّل، ويكاد الإجماع ينعقد على هذا المعنى في الجزيرة العربية لاسيما في وسطها وفي دول الخليج العربي، وقد سار الركبان بالأمثلة الشعبية العامية التي تستخدم هذه الكلمة للتعبير عمن يتصف بصفة الاستجداء وسؤال الناس، ومن ذلك قولهم:»طرّار ويتشرط»و»عافها عزيمة وجاها طرارة» .
ويقول الشاعر «غريب»:
في الليل يسرق وفي نهاره طراره
جمع خسيس الفعل في جمع الاثنين
خاسر لدينه وكل جمعه خساره
منبوذ من قاصي الجماعة والادنين
وقد يطلقه العامة كذلك في ذات المجتمعات ويريدون به معنى آخر هو المعنى الحقيقي والمشهور للكلمة والمراد به «الشق أو القطع» كقولهم: «ياطرّ جيبي طرّاه»و»أطرّه طرّ».
ولو عدنا لأصل الكلمة وموضوعها لظهر لنا البون الكبير بين معناها في العامية وبينه في الفصحى، فالطرار في اللغة: على وزن فَعَّالٌ مِنْ طَرَّ،يُقَال: طَرَّ الثَّوْبَ يَطُرُّ طَرًّا أَيْ شَقَّهُ.
والطرار: الَّذِي يسرق من جيوب الناس، وما في حوزتهم بخفة اليد، وَقد يَقْطَعُهَا عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهم .
ويأتي بمعنى: النَّشَّالُ يَشُقُّ ثوبَ الرَّجُلِ ويسُلُّ ما فيه .
والمعنى الأول والثاني أدق لكون النشال لايعمد إلا الشق أو القطع .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هو الذي يَطُرُّ الْهِمْيَانَ أَوِ الْجَيْبَ أَوِ الصُّرَّةَ وَيَقْطَعُهَا وَيَسُل مَا فِيهِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ.
وَالْهِمْيَانُ كِيسٌ تُجْعَل فِيهِ النَّفَقَةُ وَيُشَدُّ عَلَى الْوَسَطِ،وَمِثْلُهُ الصُّرَّةُ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا: الْمَوْضِعُ الْمَشْدُودُ فِيهِ دَرَاهِمُ مِنَ الْكُمِّ.
وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ رحمه الله عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله أَنَّ الطَّرَّارَ هُوَ: الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ جَيْبِ الرَّجُل أَوْ كُمِّهِ أَوْ صَفَنِهِ (يَعْنِي الْخَرِيطَةَ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ وَالزَّادُ).
قال الشاعر العباسي الصنوبري:
طرَّ مني الطَّرارُ مالي فما لي
بَعْـدَ مـالي صبرٌ ولا لي قَرارُ
طَرَّهــا جملــةَ تلألأ فـي الأي
دي كمــا قــد تلألأ الأقمـارُ
لـم يطـرَّ الطرارُ مالي ولكنْ
إنمــا طــرَّ عقلـيّ الطـرّار
وأياً كان الفرق بين المعنيين إلا أنهما يلتقيان في وصف مشترك هو السوء في كليهما، فهو في العامية وصف جالب لصاحبه المهانة والمذلة كونه يجعل من يد صاحبه يداً سفلى، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اليد العليا- الباذلة والمعطية - خير من اليد السفلى- السائلة الآخذة -، فضلاً عن الأحاديث النبوية الشريفة التي نهت عن التسول وحذّرت منه ومن امتهانه كمصدر للكسب.
وهو في الشريعة الإسلامية موجب للعقوبة على مرتكبه وما يترتب عليها من وصم الجاني»بالسارق»، وأقبح به من وصم،لاسيما أن الطرار يعتبر سارقاً وزيادة؛ فالسارق عادة يسرق تحت جنح الظلام، أما شقيقه الطرار فقد جمع مع قبح الجرم قبح الجرأة بارتكابه في وضح النهار وفي الأماكن العامة.
فالطرار بالمعنيين ذليل مذموم.
** **
- فايز بن محمد الناصر الزاحم