يحدث أحيانا أن تقابل أحدهم ذات صدفة، فتجرؤ على أن تسأله سؤالا تعرف إجابته؛ لأنك تريد أن تبدأ حديثا، أن تختبر احتمالا صغيرا، ثم تمضي دون أن تعرف إن كان لهذا السؤال أثر أم لا.
لكن، لنعد إلى ما قبل المصادفة
يحدث أحيانا أن تقرر الابتعاد، أن تهرب من شيء ما، إلى أبعد مسافة تظنها آمنة، فتُفاجأ بأن ما هربت منه سبقك إلى هناك.
يحدث أحيانا أن تكون حقيبة سفرك ذات العجلة المكسورة أكثر ما يشغلك، تسحبها خلفك في ممر طويل، يختل توازنها، وتخشى أن يختل توازنك أنت أيضا. لا تبحث عن أحد، ولا تحمل هم العودة، ترجو أن يطول ابتعادك ولو قليلا. تبحث عن مسافة بينك وبين الأشياء، تحتاج أن تبتعد أحيانا لترى بوضوح، ألم يقولوا قديما «القرب حجاب»؟
تحتاج أحيانا أن تبتعد عما ألفته، وما اعتدته، وما أصبح جزءا يوميا منك. تحتاج أحيانا أن تبتعد عن نفسك؛ لتصبح روحك أخف، وحين تدرك أن ذلك غير ممكن، تحاول أن تبتعد عما يعرّفك بنفسك، أو ما يعرّفك أمام الآخرين، فتترك خلفك اسمك ووظيفتك وما أنت عليه، تترك خلفك جروحك التي تثقل قلبك؛ لتستطيع رؤية نفسك دون أقنعتها ودون أعبائها: عبء أن تكون كما يتوقعون، وعبء أن تكون أنت.
يحدث أحيانا أن يفاجئك شيء لا تعلم ما هو، يفرض قربه رغم بعده الظاهر، تشعر أن المسافة بينك وبينه أقل مما هي عليه بكثير، وأنها ممتلئة بكلام كثير يجب أن يقال، تستغرب أن يكون الفراغ امتلاء. تتيقن أنك لن تعود كما جئت، أن شيئا ما نبت داخلك، شيء لا تعرف اسمه ولا تفسيره.
يحدث أحيانا أن يكون أحدهم قريبا منك، ليس قريبا بما يكفي لإتاحة حديث عابر، وليس بعيدا بما يسمح بعدم ملاحظته. تحمد الله على مسافة تمنعك من ارتكاب حماقة ما، وعلى العجلة المكسورة التي تشغلك.
يحدث أحيانا أن يبدو شخص ما مألوفا جدا، لا ألفة شخص عرفته أو قابلته سابقا، بل ألفة شخص يمكن أن تعرفه، ألفة احتمال تتمنى أن يتحقق. ينبئك حدسك أن شيئا ما يجعل هذه الألفة موجودة داخلك منذ أمد. كأن اللقاء بينك وبينه احتمالٌ كنت تؤجله، أو سؤالٌ كنت تخشى أن تسأله.
يحدث أحيانا أن يلتفت أحدهم نحوك ثم يشيح بنظره، تشعر كأنه يختبر فكرة ما، قد لا تكون حقيقية ولا محتملة، لكنها فكرة لا تريد أن تصدقها؛ لتلغيها من حساب الاحتمالات المرهقة.
يحدث أحيانا أن تتحدث طويلا مع أحدهم، عن حياتك، وعن الأشياء التي تملكها، والأشياء التي تملكك، عن الأماكن، والتجارب، والأسئلة التي حصلت على إجاباتها متأخرا، تعرف أن لا شيء من هذا مهم، لكنك تستمر لأن الشعور الذي يمنحه الحديث كان مختلفا، ولأن ما أردت أن تقوله لم يقل بعد.
يحدث أحيانا أن تصمت؛ لأنك تريد أن تحافظ على اللحظة، أن تركز على ما يقوله وتحضنه داخلك كثيرا. تصمت أحيانا لأنك ترى الصمت أبلغ من أي حديث، الصمت لا يحرجك ولا يطالبك بشيء.
يحدث أحيانا أن ترغب في ارتكاب حماقة ما، ورغم أنك تعلم أنها حماقة، إلا أنك تظن أنها الشيء الوحيد الذي لن يجعل هذه اللحظة تمر دون أثر، ولأنك تعلم أن ندمك الأكبر هو في ألا ترتكب هذه الحماقة. تعود للانشغال بالعجلة المكسورة لتبعد عنك الاحتمالات المرهقة مرة أخرى.
يحدث أحيانا أن تلتقي أحدهم بهدوء، فيعيد ترتيبك من الداخل دون أن يقصد، ودون أن تكون أنت قد انتظرت ذلك، توقن تماما أن اللقاء لم يبدّل مسارك ولا قراراتك الكبرى، لكنه أبقى داخلك أثرا لا يمحى، ووعيا بأنك لم تعد كما كنت قبل دقائق.
يحدث أحيانا أن تفترق عن أحدهم بهدوء، فراقا خفيفا بلا وعود ولا محاولات للاستمرار، لكن أثره لا يفترق عنك. تظن أنه رسالة من الكون، أو ربما إشارة كنت تنتظرها طويلا.
يحدث أحيانا أن تلتفت نحو أحدهم مرة أخيرة؛ لترى أثر الفراق عليه، ربما ترى شيئا، وربما تتوهم. ويحدث أحيانا ألا تلتفت خشية أن ترى ما يشدّك للبقاء، أو ما يجرحك لعدم الاهتمام. فتتظاهر بالاهتمام بالعجلة المكسورة، رغم أنك نسيتها منذ بدأت الاحتمالات المرهقة تتمكن منك.
لنعد إلى ما بعد المصادفة:
منذ التقيته، كنت أشعر أنني أعيد ترتيب نفسي، كنت أشعر بأن الفراغات داخلي تمتلئ.
منذ التقيته، أيقنت أن قيمة اللقاءات بما تتركه فينا، لا بطولها ولا بتكرارها. وأن كل لقاء قدر، وفيه معنى عليك أن تكتشفه. وأن بعض الأرواح تلتقي فقط لتخبرك شيئا واحدا يبقى معك طويلا.
يحدث أحيانا أن تفهم، بعد وقت، أن اللقاءات ليست حكايات مكتملة. وأن بعض الناس يأتون مؤقتا، ثم يرحلون بهدوء؛ ليتركوك أكثر انتباها لنفسك، وأقرب إليها.
** **
د. عبير علي الجربوع - جامعة الملك سعود