التبخر عملية كيميزيائية تتحول فيها جزيئات المادة من الحالة السائلة إلى الغازية على السطح عند درجات حرارة دون الغليان.
وكما أن التبخر يزداد معدله بشكل كبير مع ارتفاع درجة الحرارة؛حيث تتسبب الأخيرة في كسر الروابط بين جزيئات السائل،مما يتيح لها أن تتحول إلى بخار، فهو كذلك يحدث ببطء عند درجات الحرارة المنخفضة، فبخار الماء المغلي يتصاعد بصورة واضحة وسريعة بسبب إرتفاع الحرارة لدرجة الغليان، ومياه المحيطات والبحار تتبخر لكن بشكل أخف وضوحاً وبسرعة أقل لأن الحرارة التي تتعرض لها ناتجة من أشعة الشمس التي تقل درجتها عن الغليان بكثير.
هذه العملية الفيزيكيميائية هي من الخصائص الحيوية للإنسان،حيث أن جسمه ينتج نوعين من البخار:الماء الطبيعي الذي يخرج مع الزفير نتيجة لتكثف الرطوبة من الهواء الداخلي الدافئ عند ملامسته للهواء الخارجي البارد، والماء الذي يخرج بعد المجهود البدني في هيئة عرق يتحول إلى بخار، ثم يبرد في الهواء البارد ويتكثف فيصبح قطرات صغيرة.
لكن الإنسان بحكم اختلاف مادته وتكوينه عن غيره من الكائنات الحية؛يتعرض لصور أخرى من التبخُّر،ليس لها انبعاثات محسوسة وآثار ملموسة كونها تتعلق بالجانب الوجداني منه.
فعندما يحلم شخص بتحقيق نجاحٍ ما، ويواجه في سبيل ذلك عثرات متكررة ومتاعب ومصاعب لاقِبَل له بها، فسيصاب عندها بالإحباط الذي يرفع وتيرة اليأس لديه،مما يحفز مسام أمله على التفتح ليتبخّر ذلك الحلم ويذهب أدراج الرياح.
وكذلك الحال حينما يتم شحن الذاكرة بمعلومات معينة لغرض محدد،فإن المعلومات ستتبخر بمجرد انتهاء الغرض منها، كالذي يحدث لبعض الطلاب بعد الامتحانات.
وعلى صعيد العلاقات والروابط الإنسانية فإن كثرة الأخطاء تجاه الآخرين والإساءة لهم، والإصرار على ذلك يرفع من حرارة مزاجهم ويجفف مشاعرهم، الأمر الذي يجعلهم يتلاشون من حول ذلك المسيء ويختفي أثرهم عنه.
وفي الوقت ذاته يلعب الاعتذار والمواقف الإنسانية دور المحرك للشعور بالأمان والاطمئنان أعطيك حسًا مما يؤدي لدفء العاطفة، فتتبخّر تلك المشاعر المؤذية والتراكمات النفسية، ثم تتكثف فتتحول إلى ندى يرطب الكبود وينعش الأرواح.
** **
- فايز محمد الناصر الزاحم