الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
لا يُقرأ التاريخ بسلامة العبارة وحدها، ولا تُفهم نصوصه بالاكتفاء بالمعاجم والقواميس، فلكل عصرٍ لغته، ولكل علمٍ مصطلحاته التي لا تُدرك دلالاتها إلا ضمن سياقها الزمني والمعرفي. ومن هنا تتبدّى خطورة التعامل مع النص التاريخي بوصفه خطابًا لغويًا عامًا، لا لغةً مهنية لها مفاتيحها الخاصة وأدواتها الدقيقة.
في هذا اللقاء لـ«الثقافية» مع الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الكريم البكر، أستاذ التاريخ الإسلامي بقسم التاريخ في جامعة الملك سعود، يتناول الحوار مفهوم «لغة التاريخ» بوصفه شرطًا سابقًا للفهم، ومدخلًا أساسًا لتأويل النصوص التاريخية تأويلاً منضبطًا. ويتوقف عند المصطلحات التي توقّف تداولها، أو تغيّر معناها، أو انقلبت دلالتها عبر الزمن، وما يترتب على سوء فهمها من إنتاج قراءات مبتورة أو مضلِّلة للماضي.
كما يناقش اللقاء واقع الكتابة التاريخية المعاصرة، وحدود ما يُتداول عن «أزمة التاريخ»، مفرّقًا بين كثرة الإنتاج وندرة الإبداع، وداعيًا إلى الانتقال من المؤرخ السارد إلى المؤرخ المفكّر، القادر على الجمع بين الصرامة المنهجية وجاذبية الأسلوب. ويتطرق الحوار كذلك إلى علاقة القارئ بالتاريخ، ودور المؤرخ في رفع مقروئية النص التاريخي، إضافة إلى دلالة الكتب التكريمية في التقاليد الجامعية بوصفها توثيقًا للمسيرة العلمية وتقديرًا للعطاء البحثي.
لغة التاريخ
* عندما نتحدث عن «لغة التاريخ»،هل نقصد لغة عربية عامة يمكن فهمها بالقاموس،أم لغة مهنية مخصوصة لا تُفهم إلا داخل سياقها الزمني والثقافي؟
لكُل علمٍ لُغته. هناك لغة للفقهاء، ولغة للمُحدّثين، ولغة لأهل القانون، ولغة سياسة، ولُغة أدب. وهكذا الأمر في بقية العلوم. ولا يخفى على فطنتكم أن القول بلغة مخصوصة لكل علم لا يعني استئثاره بلغة مُبهمة أو (مُشفّرة) لا يقرأها غير المتخصص! ولا يعني أيضاً أن تلك اللغة المخصوصة هي من فصيح اللغة ويُمكن فهمها وإدراك معناها بواسطة المعاجم والقواميس. هي لُغة (مِهْنيّة) تتكون من مصطلحات وتراكيب ذاعت وانتشرت، وامتاز بها هذا العلم أو ذاك عمّا سواه.
وبالتالي؛ يُمكن اعتبار هذه اللغة المهنية بمثابة (مفاتيح علوم) تُوجب على الدارس المتخصص الإلمام الكافي بها وفهمها على وجهها الصحيح. ففي علم التاريخ مثلاً؛ هناك مصطلحات لغوية مألوفة في المدوّنات التاريخية لكنها غير مألوفة في بقية العلوم. منها مصطلح: (شرف العطاء)، و(الروادف)، و(المسالح)، و(التجمير) ونحوها. هذه الكلمات – وغيرها كثير – لا يفهمها عادةً إلا المؤرخ، يفهمها في بُعدها اللُغوي وفي سياقها الزمني! إذ تُوجد مصطلحات توقف معناها منذ زمن بعيد ولم تعد متداولة أو مسموعة، ومصطلحات أخرى تطور معناها من مفهوم إلى آخر، ومصطلحاتٌ انقلب معناها إلى النقيض! بل تُوجد تراكيب لغوية في نصوص تاريخية لا تُفيدنا فيها معاجم اللغة بشيء! ومنها ما وَرَد في مُعاهدة المدينة (العصر النبوي): « وإنه لا ينحجز على ثأرٍ جُرح» فمعاجم اللغة لا تُعطي معنىً مُباشراً وواضحاً لهذه الجُملة. ومُهمة المؤرخ – خاصة المتخصص في التاريخ الإسلامي – هو رصد هذه المصطلحات والإمساك بمعناها في زمن الدراسة، فإن لم يفعل فما هو من التاريخ في شيء.
المصطلحات التاريخية
* إلى أي حد يسهم سوء فهم المصطلحات التاريخية في إنتاج قراءة مغلوطة أو مبتورة للماضي، حتى وإن كانت اللغة العربية في ظاهرها واضحة وسليمة؟
مِنَ الباحثين مَنْ يُحسن فهم المصطلحات التاريخية ويتعامل معها بكفاءة واحترافية، فيستنطقها ويستخلص منها مادةً تاريخيةً مُهمّة. ومِنهم من لا يُحسن فهمها ويذهب بها إلى غير معناها فيُسيء لها، ولنفسه، ولقارئه، ويُسيء للتاريخ حين يعرضه بصورة مُشوّهة وخاطئة. وفريقٌ ثالث لم يُحسن فهمها لكنه أعرض عنها وقفز عليها ثم مضى يُحلِّل ويُفسِّر النص التاريخي بمعزلٍ عن مُصطلحاته التي لم يفهمها، سواءً أكانت مُصطلحاً واحداً أم أكثر. وهذا النمط من الباحثين يكتب بنصف قلم، ويُقدّم تاريخاً مبتوراً، فقد علِم شيئاً وغابت عنه أشياء.
أزمة الكتابة التاريخية
* هل تكمن أزمة الكتابة التاريخية اليوم في ضعف اللغة، أم في جمود الأسلوب العلمي الجاف، الذي ينفّر القارئ العام رغم دقته الأكاديمية؟
لا أستطيع التسليم بوجود (أزمة في الكتابة التاريخية) في يومنا هذا، فالكاتبون كثيرون، والباحثون قلّبوا أحجاراً كثيرة في التاريخ وأظهروا ما تحتها، مستفيدين من التقنيات الحديثة في مناهج البحث.
الأصحّ في تقديري هو القول بوجود (أزمة إبداع في الإنتاج التاريخي). المُبدع هو من يشتق المعنى من المعنى. هو من يكتشف فضاءً علمياً جديداً في تخصصه، فيرتاده ويُمهّد السبيل لمن يأتي بعده من الباحثين. هنا نحتاج إلى الانتقال من (المؤرخ السارد) إلى (المؤرخ المُفكر)، هذا المؤرخ المفكر يجب أن يكون واضحاً في طرحه، عميقاً في فكره، مؤثراً في قارئه، تصل أفكاره إلى الجميع بشكل متماسك. ولمّا كان من المُنتظر أن يأتي المؤرخ المُفكر بمفاهيم جديدة في الدرس والبحث؛ فإن هذا التجديد في الفكر التاريخي يقترن به تجديدٌ مُماثل في لغة الكتابة التاريخية، فيُكَوّن عندئذ مُعجمه اللغوي الخاص به، ويمتلك مهارات لغوية مزدوجة تتراوح من مهارة القدرة على قراءة النصوص التاريخية التراثية وفهمها، إلى مهارة القدرة على الكتابة التاريخية الحديثة بلغة سليمة تتناسب والذوق المعاصر. وعلى هذا النحو ينشر أفكاره الجديدة في وعاءٍ لفظي جديد، وجاذب، ومُلْهِم، ومُحفّز.
قراءة التاريخ
* هل يمكن القول إن عزوف المجتمع عن قراءة التاريخ سببه ضعف المحتوى اللغوي والأسلوبي، أم أن المسؤولية تقع على المؤرخ قبل القارئ؟
المجتمع يُحب التاريخ، بل يعشقه. الناس تأكل التاريخ، وتشربه، وتتنفسه، وتتمسك به. فلا يُوجد عزوف عن التاريخ، وإنما يُوجد عزوف عن القراءة بشكل عام، ولذا انصرف كثيرون إلى الوسائط الالكترونية، والدراما التاريخية لإشباع نهمهم التاريخي، وابتعدوا إلى حدٍّ كبير عن قراءة الكتب التاريخية ذات العلاقة.
قد تكون أسباب هذا العزوف متنوعة ومتداخلة، ولكن ما كيفية مواجهته أو التخفيف من سطوته؟ أرى في تطوير أساليب الكتابة التاريخية جزءاً من الحلّ، فالقارئ العادي تُدركه السآمة والملل من جفاف المادة العلمية وأسلوب عرضها الصارم منهجياً. ولذا يحسُن بالمؤرخ الحصيف أن يسعى إلى زيادة مقروئية إنتاجه التاريخي، فيكتب بلغة يتجاور فيها العلم والفن معاً، فيتخفّف نوعاً ما من صرامته الأكاديمية في الكتابة – دون الإخلال بمنهجية البحث – ويستكثر من المُحسنات البديعية، والاستشهاد بالمَثَل والبيت والبيتين من الشعر لتوصيف حالة تاريخية. يكون هذا عندما يكتب المؤرخ للمجتمع وليس أثناء كتابته لغرض استحقاقات الترقية الأكاديمية.
الكتاب التكريمي
* ما دلالة الكتب التكريمية في التقاليد الجامعية، وكيف تسهم في توثيق المسيرة الأكاديمية وتقدير العطاء العلمي، خاصة في ضوء تجربتكم مع الكتاب التكريمي الذي أصدره قسم التاريخ بجامعة الملك سعود؟
الكُتُب المُهداة إلى الشخصيات الأكاديمية على شكل كتاب تكريمي يحتوي عدداً من البحوث العلمية المُحكّمَة، هي من التقاليد الجامعية العريقة التي تتوارثها أجيال الأكاديميين خالفاً عن سالف. قُدِّمتْ لمفكرين، ومؤرخين، وأدباء، وباحثين، من العرب وغير العرب. وقد أكرمني قسم التاريخ بجامعة الملك سعود العام الماضي (1446هـ) بإصدار كتاب تكريمي يتألف من خمسة عشر بحثاً علمياً مُحكماً في مجال التاريخ، وقد شارك في إعداد بحوثه مؤرخون ومؤرخات من داخل المملكة وخارجها. وأشرف على تحرير الكتاب هيئة تحرير من الزملاء الأكاديميين (أ.د. موضي السرحان، و أ.د. علي فريد، و د. فارس المشرافي، و د. فارس الذكري، و د. هيفاء الطامي).
تم تدشين الكتاب في احتفال بهيج أقامه قسم التاريخ في إحدى قاعات الجامعة، بحضور سعادة عميد الكلية، ورئيس القسم، وجمْعٌ من الزملاء والزميلات من أساتذة القسم، ومن المتخصصين في التاريخ، والآثار، والجغرافيا في جامعات المملكة.
نظرتُ فرأيتُ أن هذا الكتاب التكريمي هو بمثابة جائزة تقديرية شرّفني بها القسم، هو مكافأة فورية تُشبه عبارات التحايا وأصوات الإعجاب التي يُقاطع بها الجمهور كلام المتحدث إليهم، فيا لعذوبة تلك الأصوات النديّة!
وَجدتُ في هذا الكتاب التكريمي من تتبع مسيرتي العلمية بقلمه الفصيح الصبيح، وبقلبه النصيح، كما فعل أستاذنا المؤرخ أ.د. عبد العزيز الهلابي حفظه الله، وهو رجلٌ يجد لذة العطاء أكبر من الأخذ. أعطى من ثمرات فكره، وأعطى من مِداد قلمه، وأعطى من مواقفه الحميدة ما لا ينساه هذا الجيل من مؤرخي المملكة.
لقد كان يوماً متميزاً في حياتي المهنية، وكان الكتاب – وسيبقى - علامة بارزة في سيرتي الذاتية ومسيرتي العلمية.
التاريخ الإسلامي
* كيف يمكن قراءة التاريخ الإسلامي بوصفه تجربة حضارية ممتدة شاركت في صناعتها شعوب متعددة، وتماوجت بين القوة والانكسار، مع الحفاظ على دلالاته القيمية والإنسانية دون اختزال أو تبسيط؟
للتاريخ الإسلامي زمنه الطويل، وله مكانه العريض، ومكانته العريقة المتألقة. اتسمت شخصيته بسرعة الامتداد، وسهولة الاندماج، وقوة الأثر وبراعة المؤثر واستجابة المتأثر. شكّل العرب المادة الأساسية في تاريخ الإسلام فتحرك بهم وسار في ركابهم. ثم اشترك أقوامٌ آخرون (الفرس، والترك، والقبط، والكرد، والبربر «الأمازيغ»، والأفارقة) مع إخوانهم العرب في صناعة معالم من التاريخ الإسلامي، فبذلوا وأجادوا.
ولقد اتسمت شخصية التاريخ الإسلامي بالمضمون الحضاري؛ إذ ترادفت الفتوحات العلمية في أعقاب الفتوحات الإسلامية، ونشطت حركة العمارة والبنيان في دار الإسلام الفسيحة، فابتنى المسلمون مدناً جديدة، ومساجد، وقصور، وقلاع، ومنشآت مائية.
وأمرٌ ثالث في شخصية التاريخ الإسلامي؛ نجده في تماوج حركته بين المدّ والجزر. لم يكن كله انتصارات وإشراقات؛ وإنما خالطته انكسارات قد يمرض منها لكنه لا يموت.
وفي شخصيته دروس في معاملة المغلوبين، وقيم ومبادئ في إعمار الأرض وإصلاحها.
** **
@ali_s_alq