القصة القصيرة العربية المعاصرة لم تعد تقتصر على سرد حدث مختصر أو رسم لقطة عابرة، بل تحولت إلى فضاء تجريبي مكثف يستوعب -ويستبطن- أزمات الواقع نفسه داخل نسيجه الجمالي والتركيبي. لم يعد كافياً أن تكون القصة انعكاساً للواقع؛ صارت القصة نفسها حدثاً وجودياً، فضاءً يعيد إنتاج أزمة الإنسان المعاصر: اغترابه الداخلي، تشظي هويته، حضور الغياب في صميم كينونته، سلطة النظرة الرقابية، انهيار الحدود بين الحياة والموت، بين الذات والآلة، بين الذاكرة والمحو المتسارع.
في هذه مجموعة نرى نموذجاً متقدماً لهذا الاستبطان فالعنوان تجاوز التسمية الجمالية العابرة، ليصبح مفهوما بنيويا ووجوديا يشتغل داخل الشكل القصصي ذاته. المتنزّه -ذلك الفضاء المفترض للتنفس واللقاء والتأمل والحياة اليومية- يتحول إلى مكان مخصص لـ«الغائبين»، أي لمن هم في حالة غياب دائم دون عودة، حضور مؤقت دون بقاء، وجود جسدي دون حضور روحي. هذا الانقلاب في دلالة المكان يصبح مبدأً تركيبياً يحكم القصص كلها: كل فضاء سردي في المجموعة (مشفى نفسي، شقة مطلة على البحر، مقبرة، حجرة مرايا، ممر انتظار) يحمل التناقض نفسه - فضاء يدعو إلى التجوال ويُعيد إنتاج الضياع، يفترض الحضور ويُنتج الغياب.
استدخال أزمة الذات المراقبة والمنظور إليها:
في قصة «الدائرة القصية » (ص 7) نرى كيف يتم استدخال مفهوم «النظرة» السارترية داخل البنية السردية ذاتها البطلة هيلي، تروي أنها حياتها تُروى:«في نيتي يقينٌ لا يدحضه الشك، بوجود عين ترقبنا» (ص 7).العين هنا (عين الآخر أو المجتمع)، صارت داخلية - جزءاً من بنية الوعي والسرد نفسه. الرواية تتحول إلى فعل مراقبة ذاتية مستمرة، مما يجعل الزمن السردي دائرياً وقصيراً: روتين يتكرر دون تقدم، كأن الزمن نفسه أصبح تحت المراقبة وفقد إمكانية الانفتاح على مستقبل أصيل هذا الاستدخال يولد إشكالية جمالية جديدة: كيف يمكن للقصة القصيرة -بطبيعتها المكثفة والمغلقة- أن تكون فضاءً لتجربة الاغتراب الدائم؟
الجواب عند الخزرجي هو أن تغلق القصة على نفسها كما تغلق الذات على نفسها: دائرة قصيرة لا تخرج منها الشخصية ولا القارئ.
الموت فضاء تأملي وليس كنهاية:
في قصة «متنزه الغائبين» (ص 115) يحدث استدخال جمالي مذهل لمفهوم الموت. المقبرة تجاوزت مفهومها الأصلي وتعد مكاناً للدفن والنسيان، لقد صارت متنزهاً - فضاءً للتجوال والتأمل والانتظار هذا الانقلاب يعيد إنتاج مفهوم هايدغر عن الكينونة-نحو-الموت بصيغة سردية جديدة، الموت فاق النهاية الخارجية، هو تحرر داخلي ومستمر، هو الحالة التي يعيشها الأحياء وهم يتنزهون بين القبور، يبحثون عن أنفسهم في أماكن غيابهم، كذلك رمز الفراشات (الموجود على الغلاف وفي بعض النصوص) هو عنصر بنيوي يستدخل مفهوم التحول الهش: الفراشة تخرج من الشرنقة لتعيش لحظات قليلة ثم تموت تماماً كما يعيش الإنسان في المتنزه – موجوداً للحظة ثم غائباً هذا الاستدخال المتميز يجعل القصة القصيرة فضاءً للتأمل في الزوال كجوهر الوجود، لا كنهاية له.
استدخال أزمة التقنية والمحاكاة داخل الشكل القصصي:
في بعض القصص التي تتطرق إلى الذكاء الاصطناعي والخلايا الدماغية والعوالم الافتراضية، يتم استدخال مفهوم المحاكاة عند بودريار داخل البنية السردية. الإنسان لم يعد أصيلاً، بل صار نسخة من نفسه، محاكاة بلا أصل. هذا الاستدخال ينعكس في الشكل: السرد يفقد مركزاً ثابتاً، يصبح متعدد الطبقات، متشظياً، كأن الراوي نفسه لم يعد يثق في أصالة صوته أو في أصالة الواقع الذي يرويه.
في «حجرة المرايا» (ص 57) مثلاً، المرآة لا تعكس الذات، بل تكشف أن الذات غائبة أصلاً - وهو استدخال مباشر لفكرة سارتر: «الإنسان هو ما ليس هو». الشكل القصصي هنا يصبح مرآة مكسورة: كل انعكاس يكذب الذي قبله، ولا يبقى سوى الفراغ بين الانعكاسات.
الانتظار مبدأ تركيبي وليس حدثا:
الانتظار في المجموعة انتقل من كونه مجرد حالة نفسية للشخصيات، إلى مبدأ بنيوي يحكم السرد كله. في «رهان القادم» (ص 83) و«وجهة الطير» (ص 129) و«اللائذون بالظل» (ص 155)، الشخصيات تنتظر شيئاً لا يأتي – شخصاً، معنى، موتاً، خلاصاً. هذا الانتظار يصبح الزمن السردي نفسه: زمن لا يتقدم، بل يدور حول فراغ مركزي. هنا يلتقي الخزرجي مع تجربة كافكا ومع مفهوم الزمن الوجودي عند كيركيغارد: الانتظار ليس انتظاراً لشيء محدد، بل هو انتظار للوجود نفسه، انتظار لأن يحدث شيء يعيد معنى لما فقد معناه ليقدم ميثم الخزرجي في «مُتنزَّهُ الغائبين» نموذجاً متقدماً للقصة القصيرة التي تستدخل أزمات الواقع داخل بنيتها الجمالية والتركيبية والاغتراب يصبح بنية سردية (دائرة قصيرة مرايا مكسورة).
البعد الوجودي:
مجموعة «مُتنزَّهُ الغائبين» تنتمي إلى هذا النوع النادر من الأدب الذي لا يكتفي إلا بالغوص في أعماق السؤال الوجودي الأكثر إيلاماً: كيف يعيش الإنسان في عالم أصبح فيه الغياب هو الحالة الأصلية؟ العنوان نفسه هو حدث فلسفي كامل: المتنزّه فضاء مفتوح يفترض فيه الحياة واللقاء والتنفس والشمس، لكنه هنا مخصص لـ«الغائبين» - أي لمن هم جسدياً هنا وروحياً هناك، أو جسدياً هناك وروحياً ما زالوا يطاردون الأحياء كظلال لا تهدأ، هذا التناقض يذكرنا بمفهوم التناقض عند جاك دريدا لان الغياب هو تأجيل مستمر له، مما يجعل الوجود دائماً ناقصاً مشروخاً، معلقاً بين ما هو وما ليس هو.
الإهداء يأتي كإعلان مباشر يوسع هذه الرؤية إلى أبعد مدى:«إلى إنسان هذا العالم وتداعيات اغترابه» (ص 5).
الموضوع هو الإنسان ككائن مجرد، وكذلك تداعيات اغترابه – أي ما يبقى بعد أن يفقد الإنسان نفسه، ما يظل عالقاً في الهواء كدخان لا يتبدد، كظل لا يجد جسداً ينتمي إليه هذا الإهداء يجعل المجموعة بأكملها شهادة على حالة إنسانية أصبح فيها الاغتراب ليس حدثاً عارضاً، بل هو البنية الأساسية للوجود في القرن الحادي والعشرين.
الرؤية الوجودية: الغياب حالة أصلية للوجود المعاصر:
الرؤية الوجودية غالبا تهتم بجوهر الوجود نفسه. الغياب هنا ليس حدثاً عرضياً (فقدان شخص، موت، اختفاء)، بل هو الحالة الأصلية التي ينطلق منها الوجود: الإنسان يبدأ غائباً عن نفسه، ويظل يبحث عن حضوره في فضاءات لا تمنحه إياه، هذه الرؤية تتقاطع مع جوهر الفكر الوجودي عند هايدغر وسارتر: الإنسان ليس كائناً ثابتاً، بل هو مشروع يتجاوز نفسه دائماً، ويتعذر عليه الوصول إلى اكتماله، لكن الخزرجي يضيف بعداً جديداً ومعاصراً: في عصر التقنية والمراقبة، أصبح الفقد بنية خارجية مفروضة - عين ترقب، خوارزمية تحاكي، نظام يراقب، ذكاء اصطناعي يحل محل الإنسان.
في «الدائرة القصية»، نرى هذه الرؤية تتجسد في حياة هيلي: روتين يومي يتكرر دون تقدم، كأن الزمن نفسه أصبح مغلقاً على نفسه. هي تحاول أن تكون حاضرة من خلال عملها، من خلال كلبها برانج، من خلال نظامها الدقيق، لكن الغياب يتسرب إلى كل شيء: عين ترقبها، مرضى غائبون عن أنفسهم، كلب يمرض فجأة، ذكرى خطيب مات، حياة تتكرر دون أن تُنتج معنى. هذا الغياب ليس مجرد شعور، بل هو بنية الوجود نفسه في المجموعة.
الكينونة مشروع ناقص:
البعد الأنطولوجي في المجموعة ينطلق من فكرة أساسية: الكينونة فهي مشروع ناقص دائماً يصطدم بحائط الغياب. في «الدائرة القصية»، حياة هيلي دائرة مغلقة تكرارية - حالة السقوط عند هايدغر: الإنسان يغرق في العالم اليومي ليهرب من مواجهة العدم، لكنه في النهاية يظل محاصراً به الروتين وهو محاولة يائسة لإنكار العدم، لكن العدم يعود دائماً من خلال المرض، الانتظار، الشعور بالمراقبة.
في قصة «متنزه الغائبين»، يتحول الموت إلى فضاء تأملي: المقبرة لم تعد مكاناً للنسيان، بل صارت متنزهًا - فضاء للتجوال والانتظار. هذا الانقلاب يعيد إنتاج مفهوم هايدغر عن الكينونة-نحو-الموت فهو الاحتمال الأكثر أصالة الذي يجعل الوجود ممكناً بمعناه. الإنسان يعيش نحو الموت، وفي هذه المجموعة، يعيش نحو الغياب نفسه - يتنزه فيه، ينتظر فيه، يبحث فيه عن حضوره المفقود.
في «حجرة المرايا» و«الماثل في الفراغ»، المرآة لا تعكس الذات، ولكن تكشف غيابها الذات تواجه انعكاساً يكشف هشاشتها الداخلية كما يرى سارتر ان «الإنسان هو مشروع يتجاوز ما هو عليه» الهوية تظهر بوصفها بناء غير مكتمل يتفكك مع كل محاولة للقبض عليه»
المقاربة التحليلية مع البؤساء لفيكتور هيجو:
تلتقي المجموعة مع رواية البؤساء في مساءلة الوجود الإنساني داخل عالم قاس يعيد إنتاج الاغتراب. جان فالجان يعيش اغترابًا وجوديًا حيث يطارده المجتمع بنظرته ويحبسه داخل ماضيه. هيجو يقول»الضمير هو أعمق سجن يمكن أن يوضع فيه الإنسان» هذا السجن الداخلي يقابل السجن الرمزي في مُتنزَّه الغائبين حيث تعيش الشخصيات داخل وعي مثقل بالمراقبة والانتظار.
في البؤساء يتحول السجن إلى علامة أنطولوجية على القطيعة مع العالم وفي المجموعة تتحول الأمكنة اليومية إلى فضاءات اغتراب صامت. كلا العملين يصوران الإنسان بوصفه كائنًا يسعى إلى الخلاص داخل عالم يضيّق عليه أفق الوجود، جان فالجان يتحول من مدان اجتماعي إلى ذات أخلاقية عبر الوعي والرحمة. في المقابل تعيش شخصيات المجموعة مسارًا معلقًا حيث يبقى الخلاص مؤجلاً.
القضية الوجودية الجامعة من «عصفور من الشرق» إلى «متنزه «الغائبين»:
في مقاربة بين الكاتبين تظهر رؤية حديثة عميقة لأزمة الاغتراب الوجودي التي شغلت توفيق الحكيم في أعماله الروائية والمسرحية فبينما كان الحكيم يرصد الاغتراب الثقافي والحضاري للإنسان العربي بين التراث والحداثة – كما في»عصفور من الشرق» أو»عودة الروح» - ينتقل الخزرجي إلى اغتراب أكثر داخلية
وما بعد حداثية في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي حيث يغيب الإنسان عن ذاته قبل أن يغيب جسدياً، فيصبح»الغياب» حالة يومية تتخذ من المقبرة متنزهاً ساخراً للأحياء الغائبين معنوياً.
كلا الكاتبين يشتركان في الفلسفة السوداوية للوجود والنقد اللاذع للإنسان المعاصر، لكن الحكيم يبحث عن أمل في الروح والعودة إلى الجذور، بينما يغرق الخزرجي في تصوير الفراغ الذي خلفته التكنولوجيا والعزلة الرقمية، فتتحول المقاربة بينهما إلى حوار بين عصرين: عصر يبحث عن الهوية، وعصر يفقدها تماماً حتى في حضوره الظاهري.
الخاتمة
تلتقي جميع هذه المسارات في قضية وجودية مركزية حول معنى الحضور الإنساني داخل عالم ينتج الغياب باستمرار. السرد يقيم القارئ داخل السؤال دون تقديم إجابات جاهزة. كامو يقول»الإنسان كائن يبحث عن معنى داخل صمت العالم» القراءة تتحول إلى تجربة وجودية تضع الكينونة أمام هشاشتها وأسئلتها المفتوحة لتؤكّد مجموعة مُتنزَّه الغائبين أن القصة القصيرة تحولت إلى ممارسة فلسفية وجودية تضع القارئ أمام مأزق الوجود الشخصيات تتحرك داخل زمن دائري ومكان مأزوم حيث يتداخل الحضور الجسدي مع الغياب الروحي وتصبح المراقبة والانتظار والموت عناصر بنيوية تعكس أزمة الإنسان المعاصر. لتُظهر أن الأدب يمكن أن يكون مختبرًا للوجود حيث يختبر الإنسان حريته وحدوده داخل نظم اجتماعية وأخلاقية وقيمية تقيد وعيه وتعيد إنتاج الغياب لتتحول المجموعة إلى مشروع سردي أنطولوجي يكشف هشاشة الهوية الإنسانية ويعيد إنتاج القلق والانتظار والمراقبة كحالات وجودية يومية ويجعل من الزمن والمكان والوعي أدوات لفهم مأزق الإنسان الحديث.
ويظل السؤال المفتوح الذي يتركه النص للقارئ: إذا كان كل شيء حولنا متنزهاً للعابرين فأين يمكن للإنسان أن يجد ذاته ويثبت حضوره الأصيل في عالم يعيد إنتاج الغياب باستمرار؟
** **
د.آمال بوحرب - باحثة وناقدة تونسية