صدر كتاب «تمييزات» عام 2025م عن «المنشورات الجامعية الفرنسية» (PUF) في نحو 336 صفحة، لمؤلفته عالمة الاجتماع ميرنا صافي Mirna Safi.
تشغل صافي منصب أستاذ مشارك علم الاجتماع في معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences Po)، كما تتولى إدارة مركز أبحاث اللامساواة الاجتماعية (SRSI) وتعمل كعضو منتسب في مختبر تقييم السياسات العامة (LEPP) ، فضلا عن عضويتها في الأكاديمية الأوروبية لعلم الاجتماع ((EAS. يتركّز اهتمامها البحثي على دراسة قضايا الهجرة، واللامساواة العرقية والإثنية، وآليات التمييز، وأنماط التفرقة العنصرية، وقد شكّلت هذه الموضوعات محورا أساسيا في معظم أعمالها العلمية.
ينسج كتاب «تمييزات..» خريطة معرفية لفهم التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، ويستعرض التوتر العميق الذي يعيشه العالم الديمقراطي المعاصر، فمن ناحية، هناك خطاب رسمي متكرر يؤكد على المساواة ويعلي من شأنها، ومن ناحية أخرى هناك واقع يكشف أن التمييز مستمر بصور مختلفة تعكس الخلل الذي أصاب الأنظمة الديمقراطية على الوفاء بوعودها.
ومن هنا يمكن اعتبار هذا الكتاب ليس مجرد دراسة عن ظاهرة اجتماعية، بل أيضا دعوة لإعادة التفكير في معاني المواطنة والعدالة والعيش المشترك، في زمن أصبحت فيه فكرة المساواة نفسها مهددة بالانقراض.
فالتمييز وفقا لما ورد في كتاب «تمييزات...» يعني معاملة غير متكافئة وغير عادلة تستند إلى خصائص فردية أو جماعية من بينها لون البشرة أو الأصل العرقي أو الدين أو الانتماء الحزبي أو الإعاقة الجسدية. ان مظاهر التمييز لا تقتصر على حالات الإقصاء المباشر أو الطرد التعسفي، بل تشمل أيضا أشكالا أخرى تتعلق بتجاهل طلبات التوظيف لأشخاص ينتمون إلى أقليات معينة أو حرمان من الترقية أو مضايقات في أماكن العمل أو تضييق في الحصول على السكن، بل وأحيانا يصل الأمر الى حدّ التعنيف الجسدي أو اللفظي المباشر. خطورة الظاهرة لا تكمن فقط في اتساعها، بل في امتداد آثارها عبر الزمن، بحيث تقلص بشكل كبير فرص الأفراد في التعليم والعمل والحصول على دخل ثابت والمشاركة الاجتماعية.
يشير كتاب «تمييزات...» إلى أنه رغم ما يُرفع من شعارات رسمية عن المساواة وما يتم اصداره من تشريعات تؤكد على أهميتها القصوى، فإن الواقع الملموس في المجتمعات الديمقراطية الغربية يكشف عن مفارقة حقيقية لا يمكن إنكارها: فظاهرة التمييز ما تزال حاضرة بقوة، باعتبارها أحد أبرز أشكال اللامساواة، بل إنها آخذة في التصاعد على مستويات متعددة وفي سياقات مختلفة. فبينما يجرى تجريم الممارسات التمييزية وإدانتها أخلاقيا، لم تتراجع آثارها الملموسة في الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات والشعوب. تطرح هذه المفارقات أسئلة جوهرية وتفرض نفسها على المستوى النظري والعملي: لماذا يستمر التمييز في المجتمعات الديمقراطية الغربية التي تزهو بمبدأ تكافؤ الفرص وتتفاخر بالتزامها به؟ وكيف يمكن قياس حجم هذه الظاهرة التي تتخذ صورا شتى؟ وكيف يمكن فهم الآليات التي تسمح لها بالاستمرار وإعادة إنتاج نفسها؟
عن هذه الأسئلة وغيرها يأتي كتاب أستاذة الاجتماع الفرنسية ميرنا صافي «تمييزات...» ليعرض بانوراما استقصائية تجمع بين التحليل النظري الرصين والدراسة التطبيقية القائمة على مخزون معرفي كبير في مجال العلوم الاجتماعية. لا تكتفي الكتابة بمجرد وصف للتمييزات أو التنديد بها، بل انه تسعى إلى تفكيك بنيتها الداخلية وتحليل أسبابها وآلياتها وآثارها ومن ثمّ النظر في الأدوات الممكنة لمكافحتها والتغلب عليها. وبذلك يكتسب كتاب»تمييزات...» قيمة مضاعفة، اذ أنه يعدّ، من ناحية، عملا أكاديميا يستند إلى دراسات ميدانية ومقاربات متعددة الاخصاصات، ومن ناحية أخرى يُعتبر دليلا عمليا موجّها للقراء النموذجيين وللباحثين ولصناع القرار وللسياسيين وغيرهم ممن يهتمون بمستقبل المجتمعات الديمقراطية.
في كتابها «تمييزات..» تتطرق ميرنا صافي إلى أن استمرار التمييز في المجتمعات الديمقراطية لا يعدّ مجرد خلل عارض أو قصور في تطبيق القانون، بل مؤشر على محدودية المشروع الديمقراطي نفسه. إن فرنسا، التي تقدم نفسها دولة ديمقراطية تُنكر واقع التمييز الذي يجري على أراضيها، كما أنها تعرقل محاولات قياس بعض أنواع التمييز المبني على العرق أو الأصل الإثني.
هذا الإنكار المؤسسي لا يطمس فقط الحقائق، بل يفاقم معاناة الضحايا ويُبقيهم في موقع الانسان الضعف بشكل دائم. وما يحدث في فرنسا ليس استثناء، إذ يتكرر المشهد في كثير من الديمقراطيات الغربية، حيث يتناقض الخطاب الرسمي، الذي يؤكد على المساواة بين الجميع، مع واقع اجتماعي يؤكد على أن التمييز يمارس بشكل يومي في سوق العمل والمدرسة والفضاء العام، الخ.
يستعرض كتاب « تمييزات...» عدة محاور رئيسية تستند إلى تراكم معرفي متنوع، يجمع بين علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية وعلم النفس الاجتماعي:
أولا، تعريف الظاهرة وضبط المفهوم وطرق قياسه؛
ثانيا، تقدير حجم الظاهرة وتتبع مسارها عبر الزمن؛
ثالثا، فهم الآليات الاجتماعية والنفسية والسياسية التي تُنتج التمييز وتعيد إنتاجه؛
رابعا، تحليل النتائج وسبل المواجهة.
ولأن ميرنا صافي مؤلفة كتاب» التمييز» نجحت في الجمع بين الدراسات الميدانية والدراسات التجريبية ولأنها لم تقف عند حدود الأرقام والإحصاءات، فقد استطاعت الكشف عن التمييز باعتباره ظاهرة حياتية اجتماعية وممارسة متكررة ومتجذرة، يواجهها الأفراد بشكل يومي ضمن نطاقات متعددة، العمل على سبيل المثال.
يقدم كتاب « تمييزات..» دراسة واعية لهذه الظاهرة بعيدا عن الاستقطاب الإعلامي والسياسي. لا يقتصر دور الكتاب على التشخيص والتحليل، بل يتعداه إلى التفكير في الحلول حيث تشدد المؤلفة ميرنا صافي على أن مواجهة التمييز لا تتحقق عبر الخطابات فقط، بل تتطلب أدوات دقيقة للقياس والفهم، وسياسات عامة متكاملة، تشمل التربية والإعلام والتشريعات وسوق العمل. إذ من دون هذا الأساس المعرفي، تبقى الحلول سطحية أو رمزية وعاجزة عن معالجة الجذور العميقة للظاهرة، كما أنها تشدد على دور البحث العلمي في توفير قاعدة بيانات وأدوات تحليلية تتيح تصميم تدخلات فعّالة ومستدامة.
ختاما، يعد كتاب « تمييزات..» مرجعا لا غنى عنه، ليس فقط للباحثين والمهتمين بقضايا العدالة الاجتماعية، بل أيضا لصناع القرار والفاعلين في المجتمع المدني الذين يبحثون عن أدوات فعالة لمواجهة التمييز وتبعاته. إن هذا الكتاب يضع الديمقراطيات أمام مرآتها، ويطالبها بأن تواجه تناقضاتها الداخلية إن أرادت أن تظل وفية لمبادئها ولقيم العدالة والمساواة التي تزعم الدفاع عنها.
** **
أيمن منير - أكاديمي وكاتب ومترجم مصري
ayman-mounir.webnode.fr