صحيفة فتى العرب صحيفة أسسها ورأس تحريرها الأديب السوري من أصول ألبانية معروف الأرناؤوط، المتوفى عام 1367هـ -رحمه الله- وقد عُرف الأرناؤوط بقلمه الجاذب والمشوّق، وكان إلى جانب عمله الصحفي روائيًا لافتًا، ومن أبرز أعماله رواية سيد قريش التي دارت حول معجزة النبوة وحياة العرب.
نالت هذه الرواية إعجاب القراء إعجابًا بالغًا، بل يمكن القول إنها سحرتهم. وقد قال عنها النقاد إنها «رواية فيها عطر، ونغم، وشيء كبير من جماليات الشعر». وحققت مبيعات هائلة، حتى أن معروف الأرناؤوط اشترى من ريعها بيتًا، والطريف أن هذا البيت كان يُعرف باسم دار سيد قريش. وبسبب نجاح هذه الرواية أيضًا رشّحه العلامة محمد كرد علي، رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق، ليكون عضوًا في المجمع.
يبدو أن هذه الرواية كانت -بحق- مباركة؛ فأحيانًا يشعر الإنسان أن الله يبارك له في عملٍ أنجزه، فيرى أثر هذه البركة على نفسه ورزقه وأولاده. وهناك من ينسب مثل هذه النجاحات إلى الحظ، وما علم أن الذي يقدّر الحظوظ ويكتبها هو الله؛ فالله هو الذي يكبّر الحظوظ.
ومع أن الأستاذ معروف اشتغل بالصحافة كثيرًا، وأخذت من حياته جانبًا كبيرًا، فإنه ظل روائيًا مهمًا؛ إذ صدرت له أكثر من أربع روايات، كتب إحداها باسم مستعار، لأنها كانت عاطفية الطابع، وقد لا يتقبلها المجتمع في ذلك الوقت.
وعودة إلى جريدة فتى العرب، فقد تصدرت المشهد الثقافي والأدبي في سوريا، وأغلقها الانتداب الفرنسي عدة مرات، لكنها كانت تعود إلى الصدور من جديد. وقد نافست هذه الصحيفة الصحف التي كانت تصدر في مصر، خصوصًا بعد أن كتب فيها عباس محمود العقاد، ومحمد حسين هيكل صاحب رواية زينب، التي تُعد أول رواية عربية، كما نشر فيها أحمد شوقي بعضًا من قصائده.
يذكر الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- في ذكرياته، التي أبهرتني فقرأتها فأفادت قلمي ولساني وجناني، أن هذه الذكريات جاءت في ثمانية أجزاء، وكل الأدب فيها. وقد قرأتها ثلاث مرات، فتقلبت في نعيم من نعم الله علي في هذه الدنيا، نعيمٍ لو علم عنه أهل العقار والأموال لجالدوني عليه بالسيوف.
ويذكر الشيخ علي -رحمه الله- أنه عمل في شبابه في جريدة فتى العرب، وكان يكتب فيها زاوية بعنوان مذكرات خنفشاري، وهي زاوية فيها نقد ولسع، كان يقلّد فيها الكاتب الساخر يوسف العيسى صاحب جريدة ألف باء في زاويته «مباءة نحل». ويقول الشيخ علي: «إني فشلت في تقليده، كما فشل غيري».
ثم يواصل الشيخ حديثه فيصف بنية الجريدة في بداياتها، فيقول إنها كانت تتكون من أربع صفحات؛ في الصفحة الأولى ثلاث مقالات، وفي الصفحتين الثانية والثالثة الأخبار المحلية وأخبار المناطق، وفي الصفحة الرابعة الأخبار العالمية، وكانت تُؤخذ من وكالتي رويتر وهافاس الفرنسية، إضافة إلى الإعلانات. ولم يكن لأكثر الجرائد يومئذٍ مراسلون، فكان المراسل هو معروف نفسه، وهو رئيس التحرير.
ولمعروف الأرناؤوط في هذا الباب نوادر طريفة؛ إذ كان يأتيه العامل فيقول: «أستاذ، ينقصنا ربع عمود»، فيقول له: «من أين آتيك بربع عمود يا أخا الـ…»، وينطق بالكلمة الشامية التي يقولها صبيان الأزقة، ثم يقول: «انتظر». وبعدها يبحث في زوايا ذاكرته عمّا يحفظه من أسماء البلدان في درس الجغرافيا، ويكتب أخبارًا من قبيل: «أوتاوا: شبّت النار في مخازن للخشب شمالي أوتاوا، وأسرع إليها رجال الإطفاء، وكانت الخسائر كبيرة، لكن لم يُصب أحد من الناس بأذى». أو: «شيكاغو: وقعت معركة بين رجال العصابات والشرطة، استُخدمت فيها المسدسات والقنابل، وانتهت بالقبض على زعيم العصابة وإصابة شرطيين بجروح طفيفة». وكانت مثل هذه الأخبار تنطلي على القراء فيصدقونها.
ومع تزايد هذا اللون من الأخبار، وارتفاع وعي القراء، صاروا لا يصدقونها، وأصبحوا يضربون المثل بأي خبر يشكّون في مصداقيته بقولهم: كلام جرايد.
واليوم، ومع معاناة الصحافة الورقية في عصر الأجهزة الكفية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي حلّت محلها في نقل الأخبار – لا سيما الشائعات في منصة X والواتس وقروباته، ومع حب التصدّر عند بعض الناس – أصبحنا نقرأ رسائل مليئة بالهلس والتلفيق والافتراء والدجل والهبد، إلى درجة تجعلنا نقول: الله يحلّل كلام الجرايد!
** **
- راشد بن محمد الشعلان
Rashedsh75@gmail.com