ومهما تحاول أن تُكتّم ما يشغل داخلك فلن تُفلح، قد تبدو منسجماً بعض الوقت لكنك ستخفق إن مررت بجانب لحظة مستغرقة داخلك ولم تستطع طردها حين قررتَ أن تنفض ماضيك السخم، ليست وحدها، هناك غيرها كامنات خائفات يقبعن في ركن قصيّ داخلك، لم يهلكن ولم تستطع طردهنّ آنذاك.
ثلاث سنوات عشت بعيداً عن نزاعات نفْسك وتغيراتها وتقلّباتها، ظننتَ أنك نجوت من مهلكة الوقت الآفل، وأنّك تطهّرت من آثام زمنك المنصرم، صدّقتَ نفْسك المخادعة، وعشتَ خِدراً لذيذاً. أوغلتَ في الندم، وتحسّرتَ على أيامك التي أنفقتها عبثاً نحو لذائذ شيطانية.
لمعت في محياك دلائل النقاء، فأفسحوا لك المجالس، وتصدّرت الحكايات، خاصة إذا استنطقت الزمن المنصرم ودلفت حكايات عبث الشباب ونزواتهم مختتماً حديثك بابتسامة وهزّة رأس متحسّرة، ثمّ نهضت برأسك شامخاً حامداً وشاكراً الله على حسن العودة.
ما يؤذيك وتكفكفه دوماً، ذلك الالحاح من تلك اللحظات الراسبة في قاع نفسك، والهامدة طوال ثلاث سنوات، من أيقظها وبعثها من مكامنها القصيّة؟ ولماذا تفيق بعد أن شيّدتَ وجهاً آخر زكيّاً نقيّاً.
فأنت وهنّ في صراع وجلبة لا يشعر بها من حولك، وهذا ما تحرص عليه وتستميت لأجله. وفي كلّ يوم تشعر باستقوائهنّ وانتصارهنّ.
ذاكرة خالبة خادرة لنزعات اللحظات القديمة، شوق وأمنيات لتغيّر الزمن والوثوب إلى تلك المرابع التي أبت الانحلال من ذاكرتك، فأنت في تدافع شقي بين رغباتك وعيون الآخرين، بين ارتكاس يلجّك، وعقل ينهنهك.
لا سبيل أمامك إلا أن تسمح بخروج تلك اللحظات من مكامنها قبل أن تفتك بك وتفضح أمرك.
لا سبيل إلا في خلق طريق آخر لهنّ يعبرن به بعيداً عن أعين البشر، ولك طريقك الذي تسلكه ولن يعتدي أحدٌ على الآخر.
** **
- عبدالكريم بن محمد النملة
rhrh5576@