بعد أعوام طويلة بقيت فيها كثير من الكتب حبيسة أرفف مكتبتي الخاصة، أعدت ترتيبها أخيرًا ومنحتها مكانًا يليق بقيمتها وما تختزنه من معرفة. وخلال هذه الرحلة بين الرفوف، عثرت على نماذج من الطبعات الأولى التي كنت مولعًا باقتنائها، إلى جانب كتب نادرة وعناوين كان الحصول عليها في زمن مضى ضربًا من المشقة والمتعة في آنٍ واحد.
ومن طرائف هذا الشغف أنني كنت أقتنص أوقاتًا متفرقة لزيارة “حراج ابن قاسم” -أو ما يُعرف بحراج الخردة- باحثًا بين الأدراج الجانبية لقطع الأثاث المعروضة بثمن زهيد عمّا قد يختبئ فيها من كنوز ورقية. هناك كنت أجد كتبًا صالحة للقراءة، وأخرى أنهكها الزمن، وثالثة تنتظر من يرممها ويعيد إليها الحياة. واستمرت هذه العادة سنوات طويلة، حتى كوّنت مجموعة من الكتب النادرة ذات الطبعات القديمة.
ومن بين ما وقعت عليه مؤخرًا ديوانٌ شعري للأستاذ علي حافظ -رحمه الله- بعنوان: «أولادنا في مواكب الفرح». وهو عمل متفرّد في موضوعه وغايته؛ إذ لا أكاد أعرف شاعرًا سبقه إلى هذا اللون من الشعر. فقد خُصص الديوان للاحتفاء بمواليد أقارب الشاعر وأصدقائه، وهو ما أشار إليه الأستاذ محمود عارف -رحمه الله- في تقديمه للديوان بقوله إن الشاعر أصبح “اختصاصيًا في نظم شعر المواليد” لكثرة ما وثّق من أفراح أسرته ومحيطه.
والنسخة التي بين يدي هي الطبعة الثانية، أما الطبعة الأولى فقد صدرت سنة 1404هـ بعنوان «نفحات من طيبة»، قبل أن يُستبدل العنوان لاحقًا إلى مسماه الحالي.
توزعت قصائد الديوان على أكثر من سبعين شخصية، فيهم الراحل والحاضر، ومن أبرز من خُصّوا بقصائد فيه صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- وصاحب السمو الملكي الأمير محمد العبدالله الفيصل، إضافة إلى عدد كبير من أقارب الشاعر وأصدقائه ومعارفه.
ويزداد الديوان تميزًا بإلحاق صورة شخصية بكل قصيدة، توثيقًا لصاحب المناسبة، مما يضفي على النصوص بعدًا إنسانيًا حميمًا، ويجعل القصائد أقرب إلى سجل اجتماعي مصوَّر منه إلى ديوان تقليدي مجرد.
إن فرادة هذا العمل تكمن في جعله “شعر المواليد” غرضًا شعريًا قائمًا بذاته، في فلسفة خاصة بالأستاذ علي حافظ رحمه الله، تعكس قربه من الناس ومشاركته الصادقة لأفراحهم. وهي قيمة أدبية وإنسانية تكشف عن إيمانه العميق بروابط المودة والتلاحم الاجتماعي، وتجسّد الشعر بوصفه فعل حضور في حياة الآخرين، لا مجرد تأملٍ بعيد عنها
ولعل هذا اللون من الشعر يعيد الاعتبار لوظيفة القصيدة بوصفها وثيقة حياة، لا تُعنى بالمثاليات المجردة فحسب، بل تنحاز إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرح اليومي للناس. ففي زمنٍ تميل فيه الكتابة إلى القضايا الكبرى والموضوعات العامة، يأتي هذا الديوان ليحتفي باللحظة الخاصة، بالاسم الجديد الذي يدخل العائلة، وبالابتسامة الأولى التي تُوسّع دائرة المحبة.
إنه شعر يربط الأدب بالفعل الاجتماعي المباشر؛ فالقصيدة هنا ليست للقراءة فقط، بل للإهداء، وللحفظ في ألبوم العائلة، وللاستدعاء كلما مرّ الزمن على صاحب المناسبة. وهكذا تتحول الأبيات إلى ذاكرة موازية للصورة، وإلى لغةٍ تُخلّد الفرح كما تُخلّد السجلات الرسمية تواريخ الميلاد.
كما أن تنوّع الشخصيات التي تناولها الشاعر يمنح الديوان بعدًا توثيقيًا للمجتمع في حقبة زمنية محددة؛ فهو يرسم خريطة علاقاته الإنسانية الواسعة، من الدائرة الأسرية الضيقة إلى فضاء الأصدقاء والمعارف ورموز المجتمع. وبذلك يغدو العمل أقرب إلى سجل وجداني للعلاقات، يُظهر كيف يمكن للشعر أن يكون جسرًا دائمًا بين الأفراد.
ومن زاوية فنية، يشي هذا الاختيار الموضوعي بقدرة الشاعر على تطويع اللغة الشعرية لخدمة مناسبة بعينها دون أن تفقد بريقها الجمالي. فالقصائد، وإن ارتبطت بحدث محدد، لا تبدو عابرة أو مؤقتة، بل تحمل نَفَسًا احتفائيًا عامًا يمكن أن يلامس كل قارئ، لأنها تنطلق من قيمة إنسانية مشتركة هي الفرح بالقدوم الجديد إلى الحياة.
بهذا المعنى، لا يُقرأ الديوان بوصفه مجموعة تهانٍ منظومة، بل تجربة شعرية ذات رؤية خاصة: أن يكون الشعر شريكًا في الطقوس الاجتماعية، ووعاءً للمودة، وصوتًا يعلن أن الفرح يستحق أن يُكتب ويُحفظ كما تُكتب الملاحم وتُحفظ الذكريات الكبرى. وفي ذلك تكريس لفكرة أن الأدب الحقيقي ليس بعيدًا عن الناس، بل يولد من بينهم، ويعود إليهم محمّلًا بأسمائهم وابتساماتهم وحكايات بداياتهم الأولى.
** **
- عبدالله سليمان السحيمي
@Alsuhaymi37