شاع في بعض الكتابات أن مزارع جَبْرَة بالطائف التي تقع في وادي الجفيجف نُسبت إلى امرأة قرشية تُدعى جَبْرَة، قيل إنها زوجة محمد بن هشام، أحد ولاة مكة في العصر الأموي، وزُعم أن لها بستاناً وقصراً في تلك الناحية، ومن ثم نُسب الموضع إليها، غير أن هذه الرواية تفتقر إلى سند تاريخي موثق في الكتب والمصادر، كما أنها تمثل نموذجاً شائعاً في تأويل المسميات اعتماداً على التشابه اللفظي، لا على الدليل النصي أو المادي.
وقد ارتبط اسم منطقة جَبْرَة عبر الزمن بتفسيرات متعددة، تداخل فيها الموروث الشعبي مع الروايات التاريخية غير الموثقة، ويُلاحظ أن كثيراً من المسميات الجغرافية في الجزيرة العربية تأثرت بالأساطير والتوهمات، مما أدى إلى تحوير معانيها وأصولها، كما هو الحال في بعض مسميات مدينة جدة، مثل حارة المظلوم، وغيرها من المواضع التي أُلبست تفسيرات قصصية لاحقة لا تستند إلى مصادر تاريخية.
يذكر الزركلي في رحلته «ما رأيت وما سمعت»؛ أن جبرة مزارع في وادي الجفيجف، شرق الطائف، فيها بئر يخرج ماؤها من عمق مترين ونصف، وفيها بساتين.
ويقول البلادي في معجم معالم الحجاز: جبرة: قصر ومزرعة على وادي وج بين الطائف والعرج، ذات مكان يجتمع فيه المصطافون بعد العصر فيكتظ المكان بالعائلات والرواد، فأقيمت فيه مقاهٍ يجري الماء بجانبها فيحيل جنبات الوادي إلى أماكن خضرة نضرة.
ويذكر محمد عبد الحميد مرداد في رحلة عُمر (خُلقت رحّالة) أن اسم جَبْرَة يُنطق بفتح الجيم، وتسكين الباء، وفتح الراء، ثم التاء المربوطة، وتقع جبرة في وادٍ فسيح يُعرف بوادي جبرة، ويرى عبد الحميد مرداد أن التسمية تعود إلى نبات الجَبْرَة المغربية، وهو نبات بري صغير الحجم، ينمو على حواف الأودية، وقد أشار إلى أن طوله لا يتجاوز نحو ثلاثة أصابع، وأنه كان منتشراً على جانبي وادي جبرة، وهو ما يتفق مع نمط تسمية المواضع في التراث العربي نسبةً إلى النبات أو الماء أو الظاهرة الطبيعية الغالبة.
ومن خلال الاطلاع على الدراسات النباتية الحديثة، يتضح أن نبات الجَبْرَة المشار إليه يطابق نبات : Holosteum umbellatum subsp. glutinosum (M.Bieb.) Nyman وهو نبات عشبي حولي يتبع الفصيلة القرنفلية، ويُعرف هذا النبات بالاسم الشائع: الجَبْرَة، أو الجَبْرَة الخيمية.
والاسم الأجنبي: Holosteum umbellatum subsp. glutinosum،
والاسم العلمي: Holosteum umbellatum subsp. glutinosum (M.Bieb.) Nyman.
ويندرج تصنيفه النباتي ضمن الفئة: عشبة، والرتبة: Caryophyllales، والفصيلة: Caryophyllaceae، والجنس: Holosteum.
وينتشر هذا النبات في بلاد الشام المغرب العربي وتركيا والقوقاز وأوكرانيا والنمسا ومعظم مناطق أوروبا.
ويتميّز هذا النبات بصغر حجمه ودقة سيقانه، وينمو في البيئات المفتوحة وعلى أطراف الأودية ذات التربة الخفيفة، وهي خصائص تنطبق على البيئة الطبيعية لوادي جبرة، مما يعزز التطابق بين الوصف التاريخي والجغرافي والتصنيف العلمي الحديث.
ومن خلال زيارة ميدانية للمنطقة، لوحظ وجود نبات يطابق الوصف الذي أورده مرداد من حيث الشكل والحجم وموضع النمو، وبالرجوع إلى المراجع النباتية المتخصصة، ظهر التشابه الكبير بين نبات الجَبْرَة المغربية وما ينمو بالقرب من قصر جبرة، وهو ما يشكل دليلاً حسياً مباشراً يدعم نسبة التسمية إلى النبات.
يتضح، من خلال الجمع بين النقد التاريخي، والتحليل الجغرافي، والتوصيف النباتي العلمي، والمعاينة الميدانية، أن تسمية منطقة جَبْرَة في الطائف تعود في أصلها إلى نبات الجَبْرَة، الذي ينتشر في تلك الناحية؛ لا إلى شخصية تاريخية، مما يؤكد أهمية إعادة قراءة المسميات الجغرافية قراءة علمية ناقدة، تميّز بين الموروث الشعبي والرواية الموثقة، حفاظاً على دقة التاريخ المكاني للمنطقة. والله تعالى أعلم.
كما يجدر أن أشير إلى أهمية الالتفات إلى نبات الجَبْرَة بوصفه عنصراً من عناصر التراث الطبيعي المرتبط بالذاكرة المكانية والهوية المحلية لمنطقة جَبْرَة في الطائف، إذ لم يعد هذا النبات مجرد مكوّن بيئي، بل أصبح شاهداً لغوياً وتاريخياً على أصل التسمية واستمرارها عبر القرون، ومن هنا تبرز الحاجة العلمية والثقافية إلى تسجيل هذه النبتة ضمن عناصر التراث الثقافي غير المادي في الجهات المختصة، وفي مقدمتها جمعية التراث غير المادي، بوصفها جزءاً من الموروث المعرفي والبيئي المحلي المرتبط بأسماء الأماكن ودلالاتها.
إن توثيق نبات الجَبْرَة في سجلات التراث غير المادي لا يقتصر على حفظ اسمه أو شكله، بل يشمل تثبيت علاقته بالمكان، وحفظ الرواية العلمية الصحيحة لتاريخه، وصون هذا الموروث من الاندثار أو التحريف، خاصة في ظل التحولات البيئية والعمرانية المتسارعة، كما يُسهم هذا التوثيق في تعزيز الوعي الثقافي بقيمة العناصر الطبيعية المحلية بوصفها مكونات أصيلة من الهوية التاريخية للمناطق، ويجعل من جَبْرَة نموذجاً تطبيقياً للتكامل بين الجغرافيا والتاريخ والبيئة والتراث غير المادي.
** **
د.منصور مرزوق الدعجاني - دكتوراة في التاريخ