السرد والوصف نمطان يتناوبان على طول النصوص الروائية، فالروائي يقوم بالسرد عندما يتحدث عن الأشياء المتحركة، ويقوم بالوصف عندما يتحدث عن الأشياء الساكنة أي يتم السرد بالحديث عن الفعل في الزمان، ويتم الوصف بالحديث عن المكان أو الأشياء أو الأشخاص والوصف يتطلب انتباهًا ودقة ملاحظة من الواصف، أما الموصوف الذي يلفت نظر الروائي فهو الأشياء الغريبة وغير المألوفة لديه، وتبعاً لهذا ستختلف الموصوفات في الروايات وخصوصًا رواية الخيال العلمي حسب الأوساط التي عاش فيها الروائي وما ألف مشاهدته فيها، لأن المألوف معروف لا يحتاج الروائي إلى إعادة التعريف به.
يعد الوصف ركيزة أساسية في العمل الأدبي، فعن طريقه تشكل الأحداث، وترسم الشخصيات، وتمثل البيئة المكانية والزمانية، بالإضافة إلى كونه وسيلة فنية تنتشي بالدلالات الفكرية والنفسية والاجتماعية التي ينطوي عليها العمل الأدبي.
ويتميز الوصف – غالبًا – بما يهيمن على أسلوبه من الأسماء والجمل الاسمية وأدوات تنظيم الفضاء اللغوية، وهو يبدو – إذا ما تشكل مقطعًا - وحدة قابلة للعزل ونتوءًا طفيليًا قد يهدد إذا ما تضخم حجمه النصي بانقطاع التواصل بين طرفي الخطاب.
ومن خلال هيمنة أحد المكونين (السرد والوصف) يمكننا أن نحدد نوعية النص السردي، ذلك أن كل جنس أدبي، فيما تقول: (جير فاي زانجينجا)، يحدد قاعدته الخاصة في باب الوصف، وأن كل جنس يمنحُ الوصف وضعًا مخصوصًا، فالرواية يهيمن عليها السرد، فهو الذي يؤطر الوصف ويستوعبه، لذلك يغدو البعد الزماني فيها يحتل مكانة أساسية بقياسه بالمكان، وقد تعددت أنواع الموصوفات في رواية عودة الشر لخالد الحقيل، ومنها وصف الأمكنة لأنه يعتبر المحور الأساسي والأكثر حضورًا في هذه الرواية، فعودة الشر تصور لنا الأماكن التي وقعت فيها الأحداث، من حيث الانتقال بين ربوع المملكة العربية السعودية، وسنحاول من خلال وصف المكان معرفة هذا الحضور، يقول خالد الحقيل: «أطلق قائد الفرسان صوتًا شبيهًا بالصفير البشري، وهو يُلقِي نظره من خلال مركبته الميكروسكوبية من ارتفاعٍ يُقارب 30 ألف قدم على تلك المدينة الأسطورية، التي تقع غرب المملكة العربية السعودية، وهي تتلألأ كجوهرةٍ ماسيّةٍ وسط الكرة الأرضية، والحياة الصاخبة تدبّ فيها، بينما البيانات تصطف أمامه على الأجهزة الاستشعارية بدماغه الأيونيّ.
- أكبر مصنع هيدروجين بالعالم.
- طاقةً نظيفةً بنسبة 100 % تكفي لإمداد العالم بالطاقة النظيفة.
- أكبر امتصاصٍ واستغلالٍ لطاقة الرياح، وتحويلها لطاقةٍ نظيفةٍ.
- نسبة انبعاث الكربون صفر.
- أكبر تجمّعٍ عالميّ للتعليم والبحث والابتكار، وأكبر تجمّعٍ لنخبةٍ من ألمع العقول من جميع أنحاء العالم.
- أكبر تكنولوجيا تقنية وقنوات اتصال بالعالم تجتمع تحت سقفٍ واحدٍ.
هل تعلم أن التكنولوجيا في تلك المدينة تعادل كامل تقنيات الكرة الأرضية، وأن من يحكمها يستطيع - إذا شاء - أن يُدير العالم بأسره.
هل أُضيفُ، أم أكتفي بما ذكرت لك؟!
قالها الإمبراطور وسط ذهولٍ من قائد الفرسان، وهو يشاهد التصميم الإعجازيّ العمرانيّ لمدينة نيوم، ويقول للإمبراطور: بل اكتفي بما ذكرت، والذي أذهلني أنه خلال أقلّ من ربع قرنٍ على زيارتي السابقة تطوّرت هذه البلاد بشكلٍ لا يُوصف، وتجاوزت كافة الدول التي كانت عُظمى في ذلك الوقت، وحسب تحليلنا للذكاء البشريّ، لا يمكن خلال 25 عامًا أن تنتقل هذه النقلة التكنولوجية، إلّا بوجود إرادةٍ حديديةٍ وقيادةٍ لا تُقهر».
فالحقيل تفنن في وصف مدينة نيوم من خلال إعجاب الإمبراطور الذي أراد غزو هذه المدينة الخيالية والتي تعد المشروع السعودي الأضخم، الذي أطلقه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ليحول الصحراء إلى مدينة مستقبلية مبتكرة، تعمل بنسبة 100 % بالطاقة المتجددة، لتكون نموذجًا للحياة المستدامة، فجاء وصف المكان وصفًا بسيطًا من غير تكلّفٍ وتعقيد.
** **
د. فهد الشمري - دكتوراه في الأدب والنقد والبلاغة.