الثقافية - متابعة:
لقد ترك رحيل الأديب والناقد د.سعيد مصلح السريحي، أثرًا بالغًا في نفوس المثقفين والأدباء ورواد الكلمة، فكان من الأسماء المؤثرة في الساحة الثقافية السعودية، ويتجلى هذا التأثير من خلال عمله في التعليم لأكثر من عشرين عامًا، وقد امتد تأثيره إلى الأوساط الثقافية والفكرية، «الجزيرة الثقافية» تواصلت مع نجل الفقيد المهندس إقبال سعيد السريحي الذي نعى والده بقوله: «والدي مات حيًّا شامخًا، وأسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ورضوانه، وهو أعز عندنا من أن يفنى ذكره رحمه الله».
هذا ويمثل الأديب والناقد د.سعيد مصلح السريحي جيل روَّاد الأدب في المملكة وهو من أبرز أقطاب الصِّحافة فيها، فكان
عضوًا بأدبي جدة، وبالهيئة الاستشارية لجمعية الثقافة والفنون، ومشرفًا على الأقسام الثقافية بصحيفة عكاظ، ويعد السريحي من رموز الحداثة في العالم العربي، حيث حاضر في عواصم عربية وأوروبية، وعضو تحكيم جائزة بلند الحيدري، وجائزة الطيب صالح، وجائزة محمد حسن عواد، وجائزة محمد الثبيتي، وجائزة صدام حسين في دورة سنة 1989م، وكما صدرت له كتب عدة منها «غواية الاسم؛ سيرة القهوة وخطاب التحريم»، و«الرويس»، و«الكتابة خارج الأقواس». وله زاوية يومية في جريدة عكاظ بعنوان (ولكم الرأي).
وُلد سعيد بن مصلح بن سعيد السريحي الحربي في جُدَّة، عام 1373هـ، ودرس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بجدة، أكمل تعليمه الجامعي والدراسات العليا (لغة عربية) في كلية الشريعة ثم كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى في مكة المكرمة.
عمل في حقل التعليم عشرين سنة، سنتين في التعليم العام وثماني عشرة سنة بجامعة ام القرى، عمل ثماني وعشرين سنة في حقل الصحافة بين متعاون ومتفرغ، أشرف خلالها على القسم الثقافي، والشؤون المحلية، والشؤون الدولية، والاقسام التنفيذية في جريدة «عكاظ» كما عمل مساعداً لرئيس تحرير «عكاظ» ونائبا مكلفاً لرئيس التحرير، وتعاقد كاتباً لزاوية يومية في جريدة «عكاظ». وأعد السريحي أطروحة لنيل الدكتوراه من جامعة أم القرى تحت عنوان (التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي)، غير أن الجامعة -طبقا لرسالة موجهة له بتاريخ 5/6/1989م وموقعة من عميد كلية اللغة العربية- قررت عدم إجازة الأطروحة «لما اشتملت عليه من أفكار لا تتفق وتعاليم الدين»، وطالبت صاحبها بالتوبة والرجوع عن الأفكار والعبارات والمنهج الذي سار عليه مع إعطائه فرصة لإختيار موضوع آخر، علماً بأن قرار الجامعة أثار جدلاً واسعا بين فريق مؤيد رأى أن أطروحة الرجل فيها نواقص علمية ومنهجية وآخر معارض رأى أن السريحي كان ضحية لخصوم تربصوا به بسبب أفكاره الحداثية والتنويرية.
كان السريحي مهتما بالمجال الأدبي والثقافي في وقت مبكر من عمره، فأصدر صحيفة (أصداء) وهي صحيفة طلابية لقسم اللغة العربية في عام 1393هـ، وحاضر عن الشعر الحر عندما كان طالبًا في السنة الثانية بالمرحلة الجامعية، كما كان عضو اللجنة الثقافية فيها، وعندما كان محاضرًا شارك في مهرجان المربد بورقة بعنوان: (سلطان الحرف) وذلك عام 1987م.
وبرزت في كتابات السريحي النبرة الكتابية الجديدة من خلال كتاباته في النص الجديد والرؤية النقدية الجديدة؛ لذا تبنت دراسته في مرحلة الماجستير: (شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد)، ومن خلال هذه الدراسة أخذ السريحي ينظر إلى النص بشكل شمولي، فركز على لغته، والابتكار الفردي للشاعر، وما تتميز به الرؤية الشعرية، بالإضافة إلى احتضان التجربة الإنسانية في أفقها الزمني الواسع، كما كشف عن تحليله المبني على رؤية النص بشكل شمولي مع استنطق حركته ويتمثل ذلك في خروج أبي تمام على النسق المعتاد، والمتكرر في التركيب اللغوي، فأصبح إنتاج أبي تمام الشعري مختلفًا.
وقد شارك السريحي في مهرجانات وندوات ثقافية وعلمية عدة منها ما عقد في الأندية الأدبية السعودية ومنها ما عقد في جمعيات الثقافة والفنون السعودية، كما شارك بأوراق عمل وأبحاث في مؤتمرات وندوات علمية عقدت في عدد من العواصم والمدن العربية الأوروبية. وعمل السريحي عضواً في تحكيم جائزة بلند الحيدري الممنوحة من مهرجان أصيلة للمبدعين العرب.
كما شارك في عضوية لجنة تحكيم الموسم الثاني من برنامج مسابقة شاعر الراية عام 2023.
توفي السريحي بعد معاناة مع المرض يوم الأربعاء 23 شعبان 1447هـ الموافق 11 شُباط (فبراير) 2026م، ليترك خلفه إرثًا ثقافيًا ونقديًا كبيرًا.