الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
في ظل تنامي الاهتمام بالمعرفة النفسية، وتزايد حضورها في الخطاب الثقافي والإعلامي، يقدّم الكاتب والأخصائي والمعالج الاجتماعي محمد الحمزة كتابه «قوة السيطرة» بوصفه محاولة جادّة لإعادة قراءة مفاهيم نفسية شائعة طالها الالتباس، وفي مقدمتها مفهوم “السيطرة” وحدودها بين التمكين والتسلط. ويأتي هذا الإصدار كأول منجز تأليفي للحمزة بعد مسار مهني ومعرفي امتد لسنوات في العمل العلاجي والعيادي، سعى من خلاله إلى نقل المعرفة النفسية من إطارها الأكاديمي المغلق إلى فضاء أكثر قربًا من القارئ العام.
وفي هذا اللقاء مع «الثقافية الجزيرة» يتحدث الحمزة عن خلفيات تأليف الكتاب، ومنطلقاته النظرية والتطبيقية، ورؤيته في تبسيط أدوات العلاج المعرفي السلوكي وتحويلها إلى إستراتيجيات عملية قابلة للتطبيق في الحياة اليومية. كما يتناول الحوار قضايا أوسع تتصل بالكتابة العلاجية، ودور الفن والدراما في تشكيل الوعي النفسي، والعلاقة المركبة بين الإبداع والاضطرابات النفسية، إضافة إلى تقاطع علم النفس مع الأدب في تفسير السلوك الإنساني.
قوة السيطرة
* صدر كتابكم قوة السيطرة بوصفه أول إصداراتكم بعد مسار مهني ومعرفي ممتد، وقد انشغل بتفكيك مفاهيم ثقافية شائعة مثل السيطرة والانتقام، مع لغة سلسة تراعي القارئ غير المتخصص. كيف تبلورت فكرة الكتاب؟ وما الإضافة التي سعيتم لتقديمها للمشهد الثقافي من خلاله؟
فكرة الكتاب لم تكن وليدة لحظة عابرة؛ بل هي ثمرة ساعات مطولة قضيتها في العيادة مع العملاء، حيث لاحظت وجود غبش كبير في فهم مفهوم السيطرة، سواء على الذات أو الآخرين، ووجدت أن الناس يخلطون بين السيطرة وبين التسلط أو الأذى، فجاء الكتاب ليفكك هذه المفاهيم، ويقدم «السيطرة» كأداة للتمكين النفسي والنجاح. استغرق مني العمل قرابة عشرة أشهر من التركيز اليومي لضمان خروجه بصورة تليق بالقارئ. أما الإضافة التي سعيت لتقديمها، فهي كسر الجمود «الأكاديمي» الذي يطغى على الكثير من الكتب النفسية العربية، وتحويل المعرفة العلمية الرصينة (مثل العلاج المعرفي السلوكي) إلى إستراتيجيات وخطط عمل وخرائط طريق يسهل على القارئ غير المتخصص تطبيقها في حياته اليومية، لقد أردت كتاباً يمكن للقارئ البدء فيه من أي فصل ليجد فائدة مباشرة، بحيث يجمع بين «خطة الحياة» للإنسان العادي، و»أدوات العمل» للمتخصص في العيادة.
الكتابة العلاجية
* أشرتم إلى الكتابة العلاجية بوصفها أداة مستخدمة في بعض الممارسات النفسية. كيف تُمارَس هذه الكتابة على نحو منهجي؟ وما الفارق بين الكتابة بوصفها تفريغًا نفسيًا، والكتابة بوصفها أداة لإعادة بناء الوعي بالذات؟
الكتابة العلاجية هي أحد المسارات التي أؤمن بها كثيراً، وأمارسها مع الحالات، والممارسة المنهجية تبدأ بما أسميه «الكتابة العبثية»، حيث أطلب من الشخص أن يكتب لذات الكتابة، دون اهتمام بالتنسيق أو اللغة أو حتى المنطق، بمجرد إخراج ما في الداخل على الورق، بعد فترة من هذا التدفق، ننتقل لمرحلة أكثر تنظيماً تتمثل في كتابة المشاعر فقط، ثم كتابة الأفكار، وصولاً إلى إعادة صياغة القصة الشخصية بتحليل واعٍ. الفارق الجوهري هو أن «التفريغ النفسي» يهدف لتخفيف الضغط اللحظي، بينما «إعادة بناء الوعي بالذات» هو عملية تحويل تلك المادة المكتوبة إلى رؤية جديدة للنفس، ففي التفريغ أنت تصرخ على الورق، وفي بناء الوعي أنت تقرأ صراخك لتفهم جذوره وتعيد رسم مسار حياتك، وقد نجحت مع ست حالات في تحويل مذكراتهم العلاجية إلى مشاريع توثيقية أو حتى كتب منشورة.
الدراما والسينما
* توظفون في طرحكم أمثلة من الدراما والسينما. إلى أي مدى يمكن للفن أن يؤدي دورًا علاجيًا أو توعويًا في تشكيل الوعي النفسي، بدل أن يظل مجرد منتج ترفيهي؟
الفن والدراما ليسا مجرد ترفيه، بل هما «مختبر إنساني» واسع، وفي طرحي دوماً ما أرشد الزملاء أو العملاء لمشاهدة أفلام أو مسلسلات محددة لأنها تلامس مفاهيم نفسية معينة بعمق. الفن يمنحنا «لحظة الدهشة» التي قد لا يوفرها الكتاب الأكاديمي؛ فعندما يرى المشاهد قيمة إنسانية كالحب أو الانتقام تُعالج في دراما (كورية أو أمريكية أو عربية)، فإنه يواجه قيمه الخاصة بشكل غير مباشر، والدراما الجيدة هي التي كُتبت بحبكة إبداعية تراعي الأبعاد النفسية للشخصيات، وهذا يساعد في «تفكيك المفاهيم» لدى المتلقي. لذا، أحث زملائي المختصين دائماً على القرب من صناع الدراما لضمان تقديم نماذج نفسية صحيحة، فالفن هو الوسيلة الأسرع لتغذية اللاشعور لدينا بخبرات وتجارب قد لا نمر بها واقعياً، لكننا ننضج من خلال مشاهدتها بتركيز.
الإبداع والاضطرابات النفسية
* هل توجد دراسات علمية تثبت وجود علاقة بين الإبداع والاضطرابات النفسية؟ وما العوامل التي تجعل بعض المبدعين أكثر عرضة للقلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية؟
بالتأكيد، هناك تقاطع واضح بين الشخصية المبدعة والحساسية النفسية العالية؛ فمن خلال اطلاعي على نصوص بعض الكتاب قبل نشرها، ألمس بوضوح كيف تؤثر «جينات» الكاتب ونمط حياته وطريقة تفكيره على أسلوبه، فالمبدع يمتلك حساً نافذاً يجعله يرى ما لا يراه الآخرون، وهذا قد يكون متعباً ويجعله أكثر عرضة للقلق أو السوداوية. لقد رأينا كتاباً عظاماً كانت «سوداويتهم» هي محرك إبداعهم وسبب انتشارهم. والعوامل التي تجعل المبدع عرضة للاضطراب تشمل: العزلة الشعورية، التماهي الشديد مع الشخوص الدرامية، والبحث الدائم عن المعنى في عالم قد يبدو عدمياً أحياناً. ومع ذلك، دورنا كمختصين هو مساعدة المبدع على تحويل هذا القلق من طاقة مدمرة إلى طاقة إنتاجية، بحيث يعيش باضطرابه (كثنائي القطب مثلاً) ولكن مع القدرة على السيطرة عليه وقيادته نحو الإبداع المتوازن.
النفس البشرية والإبداع
* هل يمكن القول إن الأديب يمتلك حسًّا نافذًا في فهم النفس البشرية، أحيانًا يفوق التحليل العلمي. كيف تنظرون إلى هذا الطرح؟ وأين يلتقي فهم الأديب للسلوك الإنساني مع تحليل الطبيب النفسي، وأين يفترقان؟
يلتقيان في «الموضوع» ويفترقان في «الأداة»؛ فالأديب يمتلك «الحدس» والقدرة على الغوص في أغوار النفس عبر الاستعارة والخيال، فهو يقدم النفس البشرية كمرآة عاطفية يشعر القارئ من خلالها أنه أحد أبطال الرواية أو ضحاياها. أما الطبيب أو المعالج النفسي، فيعتمد على «الدليل العلمي» والمنهجية، مثل العلاج المعرفي السلوكي، لتفكيك السلوك وإعادة تقويمه. نقطة الالتقاء الكبرى هي «القدرة على كشف المستور»؛ فالأديب العظيم مثل «دوستويفسكي» استطاع سبر أغوار النفس لدرجة أذهلت علماء النفس أنفسهم كفرويد. والفارق هو أن الأديب يصف الألم ويجعلك تعيشه لتتطهر، بينما المعالج يصف الألم ليضع له خطة علاجية عملية تخرجك منه. الأديب يعطيك «الدهشة»، والمعالج يعطيك «الأمان» والسيطرة.
علم النفس والأدب
* كيف تقيمون العلاقة بين علم النفس والأدب في تفسير السلوك الإنساني؟ هل هي علاقة تكامل معرفي، أم أن لكل منهما مساره وأدواته المختلفة في فهم النفس؟
هي علاقة «تقاطع وتكامل» بامتياز؛ الأدب يمنح علم النفس «الروح» والقصة، وعلم النفس يمنح الأدب «المنطق» والعمق التحليلي. أنا دائماً ما أقترح على زملائنا الأدباء إلى إدخال المواضيع النفسية في نقاشاتهم. ونلاحظ اليوم أن عديدا من الروائيين السعوديين والخليجيين بدأوا يستعينون بالمختصين النفسيين لمراجعة شخوصهم الروائية قبل النشر لضمان واقعيتها النفسية، وهذا نضج كبير في المشهد الثقافي. لا يمكن لعلم النفس أن ينعزل في العيادة، كما لا يمكن للأدب أن يتجاهل الحقائق النفسية. عندما نقرأ رواية تتحدث عن «التعلق» أو «الصدمة»، نحن نعيش تجربة علاجية غير مباشرة. هذا التكامل هو ما يسد الفجوة بين «المعلومة الجافة» و»التجربة الإنسانية المعيشة»، مما يساعد المجتمع على فهم نفسه بشكل أفضل وأكثر رقيّاً.
المثقف والعزلة
* هل فقد المثقف العربي جزءًا من تأثيره نتيجة العزلة أو الانكفاء النخبوي؟ وكيف يمكن استعادة دوره الفاعل والمؤثر في المجتمع؟
هناك نوع من «الانكفاء» لدى بعض المتخصصين في علم النفس وعلم الاجتماع وكذلك من المثقفين والأدباء والمفكرين؛ حيث يكتفي البعض بالعمل العيادي أو الأكاديمي المنغلق. المشكلة أن هذا الفراغ استغله مدعو «العلوم الزائفة» بوسائلهم التسويقية المؤثرة والتي استطاعوا من خلالها للوصول للناس، ولاستعادة الدور الفاعل على المثقف والمختص النفسي والاجتماعي أن «يخرج للناس» ويستخدم أدوات العصر، كالبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم معرفة رصينة وثقافة نافعة بأسلوب بسيط وجذاب يناسب كافة الطبقات الفكرية. والمجتمع يحتاج للمثقف الذي يعيد تعريف الإنسان لنفسه، وعلى المثقف أن يتخلى عن «التواضع المعرفي» الزائد الذي يمنعه من الظهور الإعلامي، ويشارك في القضايا الدارجة ليكون قريباً من المجتمع، فاستعادة الدور تمر عبر هذا التواصل والاتصال من نبض الشارع وفهم «صراع الأجيال» الحالي، وتقديم حلول تلامس واقع الجيل الجديد وتحدياته التكنولوجية والفكرية.
التحليل النفسي وقراءة النصوص
* أخيرًا، هل ما زالت النظريات النفسية الكلاسيكية، مثل التحليل النفسي، صالحة لقراءة النصوص والروايات الحديثة؟ أم أن الأدب المعاصر يحتاج إلى مقاربات نفسية أكثر حداثة لمواكبة تحولات الإنسان اليوم؟
النظريات الكلاسيكية هي الجذور التي لا يمكن الاستغناء عنها، وفهمنا للأدب مدين بشكل كبير لمفاهيم التحليل النفسي الأولى، ومع ذلك فإن الإنسان المعاصر يعيش في «عصر السرعة» والضغوط الرقمية المختلفة، مما يتطلب مقاربات أكثر حداثة ومرونة. الأدب المعاصر اليوم يحتاج إلى أدوات مرنة مثل «العلاج المعرفي السلوكي» وعلم النفس الاجتماعي لتحليل سلوك الإنسان في بيئات العمل المعقدة وتحت وطأة التواصل الرقمي المستمر، النظريات القديمة فسرت «لماذا» نتصرف، لكننا اليوم نحتاج لنظريات تخبرنا «كيف» نتغير ونسيطر على حياتنا في ظل تحولات كبرى لم تكن موجودة في عصر فرويد، مثل «الفردانية المطلقة» وصراع الهويات الرقمية.
** **
@ali_s_alq