ومع صوت زخات المطر التي تضرب وتر الحنين فيعبث بدفتر الذكريات، ويعيد فتح صفحات أيام أغمضت عينيها جوًى وشجًى فيستنهضها ليزيد شجونها شجونًا، ومع صوت دوّي السماء التي تكاد تتفتّق من زئير الرعد المزمجر الذي يُرعد قلب الولهان ويدفعه للعدْوِ كالمجنون بحثًا عن مسقط حنانه وأمانه، ومع زفير قطرات المياه المتناثرة على الأسقف والبنيان تناثر أوراق الورد متورّدة الوجنتين في الروابي والبساتين؛ لتروي صحراء قلب أحرقته حرارة شمس ذكرياته الملتهبة، وأثقلته قلاع الحزن والحسرة المشيدّة عليه، ومع مشهد البرق الذي يعيد بارقة الأمل إلى قلب من أعمت كتل التشاؤم بصره وبصيرته، ويذكر بجبروت من خضع له الكون كله وسجدَ من شجر وطير وإنس وحجر، ومع كل قطرة ومع كل زفرة ومع كل عبرة، أخرجْ من صميم جوفك وردّد في الدّجى وكرّرْ
«يا رب» «يا رب» «يا رب» فبوسعها وحدها أن تُطفئ اللهيب، وتروي الظمأ، وتُنير العتمة، وتوسّع ضيق الأفق، وتُلبس القلب طوق الطمأنينة، وتُسيّجه بسوار السكينة، وتُعيد تدفق مياه الحب إلى مجراها الطبيعي، وتفجّر أنهار السعد فيهلّ وينغمر، وتُسقط سماء النعيم على روحك، نعم كل هذا وأكثر! رددّها حتى تشعر بخفة كالطيور فتحلّق بعيدًا عن ضوضاء هذا العالم وصخبه وغصصه! رددّها حتى يرتدّ إلى جوفك صدى صوتها فهي بلسم، رددها إلى أن تتذوق حلاوتها، وتتلذذ بمذاق شهدها الذي يُفقد اللسان من شدة حلاوته حاسة التذوق!
** **
- لطيفة السكيت