في إحدى الجلسات النسائية، حكت لنا سيدة من كبار السن عن «معضد» كانت بعض النساء في قبيلتها يرتدينه تحت الثياب، وكيف ارتبط لديهن بمعتقدات تتعلق بالحماية أو الخصوبة وتجنب الأوجاع. قطعت حديثها بحدة سيدة تجلس بجوارها وعلى وجهها علامات الإحراج، قائلة: «خرافات الأولين!»، وأردفت بحزم: «كانوا مساكين في جهل، الله يغفر لهم!». تساءلتُ حينها: لماذا يعتبر البعض منا «الاعتراف» بهذه السرديات الموروثة أمراً معيباً؟
إن الحُلي والزينة في التراث الإنساني ليست مجرد عناصر جمالية تُكمّل المظهر؛ بل تمثّل أنظمة دلالية مركّبة تجسد علاقة الإنسان بهويته وتاريخه. وهي في أي موروث تقليدي ليست حالة ثابتة، بل ممارسات اجتماعية متجددة تُبنى عبر الأزمنة، وتتم عبر سلسلة من عمليات الأداء والانتقاء للصوت والصورة والإيحاء. تتجلى هذه الرؤية واضحة في سياق زينة النساء في الجزيرة العربية قديماً؛ حيث تحمل الحُلي -كالحُجول، والمعانق، والخواتم- وظائف تتجاوز الزينة لتغدو أوعية للرمز. فـ«الزمام» مثلاً، ليس قطعة معدنية تُزيّن الأنف فحسب، بل علامة تشير إلى النطاق القبلي والمكانة الاجتماعية داخل المجموعة النسوية. وتؤدي «الحُجول» أو «الخلاخيل» وظيفة حسية إضافية؛ فيتحول الصوت المصاحب للحركة بها إلى دلالة للحضور الطبقي والاجتماعي، والرفاه الأنثوي. وكل هذه القطع تُعطي في مجملها صورة جمالية لانتماء معين وتحضر في آدابه وفنونه وسردياته.
وفي الترجمة الثقافية، يُنظر إلى الحُلي والألبسة كعناصر ناقلة للذكريات الوطنية تُختزن فيها التجارب الجماعية. تُقرأ الألبسة والمجوهرات التقليدية لدى السكان الأصليين والقبائل المتجذرة تحديداً، كوثائق يُختزن فيها الموروث المتفرد لهذه الجماعات، وينقل قصص هوياتهم عبر الأجيال؛ ولهذا فهي لا تُعامل أثناء الترجمة كعناصر جامدة، بل كمكونات حية، ينبغي فقه دلالاتها ورموزها العميقة ونقلها بشكل واعٍ وقابل للتبيان في الثقافة الثانية. وهكذا، لا يُترجم القرط أو الخاتم كقطعة مادية، بل كعلامة تحمل دلالات مخصصة للهوية.
وبالعودة إلى قصة «المعضد»؛ فهذه السرديات لها قيمتها التوثيقية وجمالياتها الرمزية الثقافية الجذابة، ولا ينبغي أن تبقى حبيسة سياقات النقل الشفهي الخجول، أو أبحاث التراث والتاريخ وأنشطتها فقط؛ بل أن تنتقل إلى فضاءات أرحب وأكثر تقبلاً ووصولاً، وأن تصل بشكل ممنهج واستراتيجي لنا جميعاً، ولأبنائنا وبناتنا تحديداً، من خلال التعليم والإبداع. فالحُلي والزينة التقليدية السعودية، بوصفها سرداً مُجسَّداً للتراث والهوية، تستحق مكانة واضحة في مناهجنا التعليمية، كأن تُعرض تصنيفاتها ومكوناتها بشكل علمي موسع لأبنائنا وبناتنا في المدارس، مع الإحاطة بالمرويات الموثقة أو حتى الغرائبية التي تتصل بها.
فالخيال والأسطورة والقصص الطريفة والعجيبة جزء مهم من تعليم الفخر والاعتزاز بالهوية. وقد تُعزز بشكل واضح، حسب الدراسات العلمية، الارتباط والانتماء الثقافي لدى المتعلمين الصغار، وتربطهم بتاريخهم، عبر التماهي الوجداني والمرح و»الاعتراف» بكافة جوانبه الإنسانية. وأخيرا يؤدي التوطين الثقافي عبر الترجمة وصناعة المحتوى دوراً متمماً؛ إذ يمكن أن تُعاد صياغة الحُلي ضمن سياقات إعلامية جديدة بلغات متعددة، تُحوّلها إلى خطابات ومنتجات سمعية بصرية قابلة للتداول بطرق مؤثرة. وبهذا تدخل الحُلي السعودية القديمة ضمن منظومة الحوار الثقافي الحديث، وتتحول من قطع تراثية إلى زينة حيّة نباهي بها ونُجمّل بها فضاء العالم.
** **
- د. فادية بنت عبدالله الشهري