تعد رواية «قلوب قاتلة» الصادرة عن دار جدل لعام 2025م للروائي والناقد السعودي حامد الشريف نصًا عابرًا لتصنيفات أدب الجريمة التقليدي الذي يرتكز عادة على ثنائية الجريمة والعقاب أو البحث عن القاتل المادي، فالرواية تتجاوز هذه القشرة السطحية لتقدم تشريحًا سوسيولوجيًا ونفسيًا عميقًا لمجتمع ينبع في حقبة زمنية محددة، حيث تستخدم الجريمة كذريعة فنية أو ما يُعرف بالمحمول المسبق للدخول إلى المناطق المسكوت عنها في العلاقات الاجتماعية والطبقية، إننا أمام نص يتكئ على رؤية نقدية رصينة تحاول تفكيك صراع السلطات بين ما هو رسمي مؤسساتي يمثله الضابط أسعد، وما هو عُرفي شعبي يُمثله العمدة، وهو ما يجعل من الجغرافيا هنا ليست مجرد خلفية للأحداث بل هي شاهد إثبات وبنية قاهرة تمارس فعل الحصار على الوعي الفردي والجمعي على حد سواء.
في المحور المتعلق بالشخصيات نلحظ تحولاً جوهريًا من المفهوم الضيّق للرقم الجنائي إلى الرمز الإنساني والاجتماعي الشامل، إذ تتحرك الشخصيات ضمن تراتبية حذرة يعيد الضابط أسعد صياغتها بناءً على شكوكه ومِنطق القادم من خارج النسق الينبعاوي، فيتجلى التنافر النسقي في شخصية الضابط أسعد الذي يمثل السلطة الرسمية الوافدة، فهو يعيش صراعًا بنيويًا بين الأنا العليا الوظيفية التي تفرض عليه انضباطًا قانونيًا وبين الهوى الغريزي الذي يدفعه نحو البحث عن الذات وسط عزلته واغترابه بعد فقد والدته، وفي المقابل يبرز العمدة أبو شلبي كحارس للنسق الاجتماعي السلس الذي يحل المشكلات ببساطة ساذجة تربك منطق الشرطي الجاف وتمنع انكشاف عورات المجتمع أمام القانون الرسمي.
وبالانتقال إلى الضحايا في الرواية: «صالح وصباح وفرهود» فهم يمثلون في الحقيقة منبوذي الهامش الذين تشكل حياتهم وموتهم صرخة في وجه البنية المجتمعية الصلبة، فصالح الموصوم بسوء السمعة وصباح القتيلة بصمت المجتمع قبل القيود، وفرهود الذي ابتلعه البحر كشاهد أخرس يمثلون قرابين بشرية كان رحيلهم في النهاية نوعًا من التطهير لبنية المجتمع من عناصر لا تشبهه أو تثير قلقه الأخلاقي والطبقي، وينسحب هذا التحليل على المجرمين المحتملين مثل خليل وفوزية وصويلح وسطام، حيث يبرز الوافدون والأقليات كوقود سهل لشكوك السلطة، فخليل اليماني يجسد الغريب المتهم دومًا بخرق العرف بينما يمثل سطام الجمال المثير للريبة والجدل حول علاقات اجتماعية معقدة، حيث لم تتحرج الرواية من طرحها كظاهرة شعبية تعزز قيمة النص كوثيقة اجتماعية جريئة.
وبالانتقال إلى تصميم المكان في الرواية نجد أن ينبع تتشكل كقفل جغرافي ومعنوي يرفض مفاتيح الغرباء، فالمكان هنا ليس حيزًا هندسيًا بل هو فضاء طوبوغرافي يمارس القهر عبر البيوت ذات الغرف المتداخلة والمقاهي التاريخية مثل «شكوكو أو القارح» التي تصنع فيها الشائعات وتصاغ فيها الحقائق البديلة.
إن الذاكرة الجمعية هي المفتاح الوحيد الذي يحاول أسعد استخدامه للوصول إلى أهدافه، لكنه يصطدم بأنساق اجتماعية متجذرة ترى في التدخل الرسمي تهديدًا لخصوصيتها، وهنا تبرز علاقة المرأة بالرجل كنسق جندري حاد، حيث تسود الذكورية في الفضاء العام بينما تنفجر الحقيقة الأنثوية خلف الأبواب الموصدة، وكأن الرواية توحي بأن الحقيقة في هذا المجتمع مخبأة في عالم النساء، بينما تصنع الإشاعة الذكورية في المقاهي لتكون هي الواجهة الرسمية للوعي العام.
لقد اعتمد الروائي تقنية سردية ذكية تقوم على الراوي العليم المحدود، مما حصر المعرفة في حدود ما يدور في عقل الضابط أسعد، وهذه التقنية وضعت القارئ في فخ الحيرة النقدية ذاتها التي يعيشها المحقق، حيث يتراوح السرد بين المونولوج الداخلي الذي يعكس صراع أسعد مع رغباته ووحدته واغترابه الروحي وبين الحوارات الخارجية التي تتسم ببطء مقصود يعمق حالة الرتابة الينبعاوية، ومن وجهة نظر نقدية نلحظ أحيانًا طغيان صوت المؤلف المثقف على ألسنة الشخصيات البسيطة مما يخلق مسافة نقدية تعكس رغبة الروائي في تمرير رؤى فلسفية حول الوضوح والغموض والمجاهرة والصمت، وهي ممارسة سردية تجعل من النص ميدانًا لتعدد الأصوات الفكرية رغم وحدة الحدث الجنائي.
وفي تحليل المسافة الخفيّة بين القانون والعدالة يتبين في نهاية المطاف أن التحقيق يصل إلى كل شيء اجتماعي، فتتكشف الممارسات الاجتماعية الخفية والظاهرة في مجتمع صغير يقتات على الشائعات، بينما تحاصر القوالب الجاهزة الأفراد، فالرواية تسير بأحداثها إلى إدراك متأخر بأن الحقيقة في ينبع لا توجد في محاضر التحقيق، ولا في الأوراق الرسمية بل في تلك الروح العصية التي ترفض أن تنكشف للغرباء.
إن رواية قلوب قاتلة في جوهرها رحلة في سيكولوجية المكان حيث يتحول الضابط من محقق في جريمة قتل إلى باحث في أعماق النفس البشرية، التي تعيش بدورها صراعًا أزليًا في ظل مجتمع محافظ يحرس أسراره بضراوة بالغة، وبذلك تنجح الرواية في تقديم نموذج فريد للأدب الذي يشرح الوعي الجمعي ويرصد ارتهان الذات بين سطوة المكان ومخزن الذاكرة.
ويمكن القول إن هذا النص الروائي استطاع ببراعة أن يقدم تشريحًا للنسق الثقافي والاجتماعي الذي يحرك مصائر الأفراد من خلف الستار، مما يجعل الجريمة مجرد مدخل لفهم أعمق لآليات النبذ والاحتواء داخل المجتمعات المغلقة، إن القيمة الفنية للرواية تكمن في قدرتها على خلق توازن بين السرد الجريمة المشوق وبين الرؤية الفلسفية والسوسيولوجية العميقة، مما يجعل ينبع وذاكرة مجتمعها هي البطل الحقيقي للرواية، فهي القفل والمفتاح في آن واحد في تجربة روائية لحامد الشريف تتسم بالرصانة والجرأة في آن واحد.
** **
- د.سلطان العيسي