نحن حكّاؤون بالفطرة؛ فالبشر تغذيهم الحكاية بما يجهلونه، أو بما يحبون أن يجهلوه. وحين يسمعون الحكاية، يرغبون في نسيانها لتُروى مرةً أخرى، كأنها حياة موازية، لكنها منتهية.
إنها لن تخترق واقعهم؛ فهي مثل الاستعارة التي تحلّ في الخيال، لكنها ترتكز على إيقاع نبرة الحكّاء الذي يسردها، ذلك الذي سيغيّر في الحكاية حين يرويها مرةً أخرى.
جزء من السير كان نتاجًا لخيال حكّاء، حتى لا تدري أين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي؛ كما في سِيَر عنترة أو الزير. لماذا يضيف سارد الحكاية تلك الرتوش حتى تصبح صناعةً لشخصية متخيلة؟ ما الذي يحرضه على ذلك؟
إنها عملية بشرية طبيعية، وليست كذبًا؛ فالحكاية يشكّلها الواقع، كما يشكّلها الجمهور الجالس أمام الحكّاء. وما يقدّمه ليس إلا احتمالاتٍ للحقيقة؛ مثل قصة صراع الزير مع الأسد.
هل كان الأسد يعيش في تلك المنطقة؟ وهل سيصدّق أحد أنه سيهزم الأسد؟ ما الذي يجعل الأسد يقفز ليرفد بطولة الزير؟ إن الحكّاء بحاجة إلى المبالغة ليجذب المستمعين، وليستدعي الغرابة والخوارق؛ فالأذن البشرية تستمتع بها، ومع أن جزءًا منها يكذّبها، فإنه في الوقت نفسه يتوق بحرقة إلى أن تكون حقيقة.
إن المستمع يمهّد للأسطورة بما يريده خياله، لا وحده بل مع الآخرين. تُرى، لو رفضها المستمعون أو استهزؤوا بها، هل سيعيدها الحكّاء مرةً أخرى؟ ثم تُسجَّل كتابةً لاحقًا؟ ربما لا. واللافت أنها، مع الزمن، تزداد رسوخًا واتساعًا، حتى يصبح من الصعب نقدها؛ لأنها تغدو جزءًا من مشاعر الناس، وحكاياتهم التي يروونها لأبنائهم أو لأصدقائهم.
إن إحراق الأساطير ليس جميلًا؛ فالأسطورة، كما يدل تعريفها، هي موقف الإنسان من العالم. لذلك يميل السارد إلى أسطرة الأشياء؛ فهو دائمًا، أو يكاد، يأتي بأعجوبة: شجاعة، أو مروءة، أو صبر، أو مقارعة للموت.
يجب أن تستند الحكاية إلى شخصية مركزية تمنح المستمع إيحاءً –غالبًا– رجوليًا، في حشد ذكوري، حتى إن النساء يملن إليه. ومعظم القصص تربط الفروسية بالشعر، ولا يهم أين تتجلى تلك الفروسية، حتى لو كانت في السرقة أو مطاردة السارقين. إن أخلاقيات الحكاية مرِنة وهلامية؛ فالحكّاء والمستمعون هم من يحددون مجالها الأخلاقي.
المستمع للحكاية يهرب أحيانًا من قمع الواقع الأخلاقي والقوانين. وكما يقول فرويد: «إن على الإنسان، لكي يكون مدنيًا، أن يتماهى مع قمع القوانين»، نقلًا عن إدوارد سعيد. فالحكاية، إذًا، حياة موازية متخيلة لواقع آخر، بلا خنق للرجولة أو كبح للمبالغة.
هذا التجريد يشعر به سامع الحكاية؛ إذ يتماهى داخليًا مع حنينه إلى الصخب والرعونة والخطيئة، أيًّا كانت. فالإنسان يحمل في داخله نوازع قد تكون جامحة، هذّبتها القوانين؛ ولدى الرجل –غالبًا– ميل إلى كسر الحدود أو التطرف، لذا تبدو الحكاية متنفسًا لذاته المقيدة بالواقع، سواء أكان اجتماعيًا أم سياسيًا، كما تمثل الرياضة متنفسًا لتلك البواعث.
وهكذا، فإن للحكاية قوانينها الخاصة التي تعكس –في الغالب– عاطفة مجتمع ما وميوله. إنها، في النهاية، نتاج خيالهم، لا الواقعة ذاتها؛ هي مادّتهم الخام، والحكّاء يعيد تشكيلها وفق هذا النتاج. لذلك تبدو الحكايات مرآةً لتفكير الشعوب وثقافاتها، ولمشاعرها المكبوتة أو المرِحة، ولرغباتها الدفينة التي لا يستطيع الواقع احتواءها. إنها أشبه بطفولةٍ متخيلة لعالمٍ آخر.
** **
- أحمد الفيلو