في صراع البقاء بين المادة والترددات، وفي سبيل المحافظة على إنسانية القراءة، بين منهج الرقمنة لعقلٍ يريد أن يحصل على المعلومة، وورقٍ يريد للروح أن تعيش التجربة؛ يسبح الكتاب الورقي ضد تيار الشاشة الذكية سباحةً غريزية، ليست لمجرد المجاراة والمنافسة، بل للتشبث باستبقاء تجربة حسية كاملة!
إن الكتاب الورقي ليس مجرد معلومات، بل كيان حي له تكوينه الخاص؛ فملمس الورق صورة من صور المصافحة، ورائحة الحبر كيمياء حقيقية، وصوت تقليب الصفحات يُعد مؤثرًا صوتيًا هادئًا مصاحبًا للقراءة.
فالرقمنة تمنحنا النص، لكن الورق يمنحنا النص وزيادة؛ فهو يشعرنا بالرفقة والصحبة التي لا يمكن أن يمنحنا إياها جهاز لوحي بارد!
في عالم مليء بالصخب الممزوج بسرعة الأحداث، والتسارع في نقل المعلومة وتداولها، تبقى القراءة الورقية آخر معاقل الخلوة عند شريحة القراء، الذين عندما يفتحون كتابًا، يُسدِلون الستار بينهم وبين العالم كله؛ حيث يرون القراءة الرقمية ساحة معركة يشترك فيها جنود الرقمية من إشعارات، وروابط تشعبية، وبطارية تنفد… بخلاف الكتاب الورقي الذي ينتظر قارئه بصمت وقور، ولا يقاطعه أبدًا.
وهو يمثل جانبًا من السيرة الذاتية لصاحبه؛ فالهوامش التي كُتبت بخط يده، وطيات الزوايا، وآثار الأصابع في أطراف الصفحات… كل ذلك تأريخ لرحلته العقلية، بخلاف النسخة الرقمية التي لا تلمس فيها من ذلك شيئًا!
ويمكن لنا الذهاب في هذا المقام لأبعد من ذلك؛ ففي تطبيقات تراقب كل ما تقرأه رقميًا، يظل الكتاب الورقي هو الصندوق الأسود الذي لا يعرف أحد ما يدور بداخله بينك وبين المؤلف، وكأنه نوع من الانفراد المعرفي.
إن سباحة الكتاب ضد تيار الرقمنة هي مقاومة منه للمحافظة على الذات؛ فنحن في الشاشات مستخدمون، لكننا مع الورق متأملون. فالرقمنة جعلت المعرفة مشاعًا سهلًا، وهذا أحد جمالياتها، لكن الجمال السهل قد يفقد قيمته؛ بينما الورق يجعل القارئ يشعر به بين يديه، فتصبح المعرفة أعظم ثقلًا، فيحافظ عليها في رفوف مكتبته وقلبه، إيمانًا منه أن الشاشة تملأ رأسه، بينما الورق يغسل روحه.
إن حزب الكتاب ينظرون إليه على أنه المركب، ومتنُه هو الشراع، والقارئ هو المجدِّف الذي يحرّك هذا المركب؛ فهو جسد مادي صلب يحمل رؤية المؤلفين وأفكارهم، ويقاوم بثبات أمام أمواج الخوارزميات وطوفانها. أما الشاشات فيرونها متغيرة، وروابطها تتعرض للكسر، والملفات تُحذف أو تُخترق، مستحضرين قول الشاعر:
نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأولِ
ومستلهمين منه أن القديم هو النديم!
فالمقاومة هنا ليست في وجود الكتاب، بل في قراءته؛ فإذا توقف المجدِّف “مقتني الكتاب” عن التجديف، سيظل المركب “الكتاب” طافيًا كالقارب، مهما تلاعبت به الرياح وتقاذفته الأمواج!
نعم، إن الرقمنة بحر من المعلومات المتلاطمة، لكن الكتاب الورقي هو قارب النجاة الذي لا يحتاج إلى شحن أو تحديث؛ فقط يد تمسك به، وعين تُبحر في أسطره وسط عواصف من التشتيت الرقمي، وسرعة الحياة، وضجيج منصات التواصل التي تبتلع الوقت والتركيز!
فيدرك صاحب الكتاب أن الغارقين في سطحية المحتوى الرقمي السريع، يغرقون بمراكبهم في أعماق المعرفة، التي لا يجيد الغوص فيها إلا القارئ الحقيقي.
إن الكتاب ليس مجرد ورق وحبر، بل وعاء للفكر، وقوته في صموده تنبع من كونه لا يحتاج إلى وسائط إضافية كالكهرباء، والإنترنت، وتحديث البرامج لكي يعمل؛ فهو تقنية كاملة بذاتها، وهذا ما يضفي عليه ضمانة ضد الفناء الرقمي، في الوقت الذي يتغير فيه المحتوى السائل ويُحذف بضغطة زر.
أخيرًا…
العلاقة الوجدانية بين الإنسان والكتاب الورقي علاقة كيميائية، تجعله يتحول من مجرد أداة معرفة إلى صديق يشيخ مع صاحبه، وتنتقل ملكيته عبر الأجيال كالإرث، وهو ما تعجز الرقميات والخوارزميات عن محاكاته.
فقد صمد الكتاب أمام المذياع، ثم التلفزيون، والآن يصارع الذكاء الاصطناعي والشاشات الذكية، وفي كل مرة يثبت أنه الجبل الذي تضرب فيه أمواج التكنولوجيا ثم تنحسر عنه، ويبقى شامخًا!
** **
- فايز بن محمد الزاحم