في مرحلةٍ مبكرة من اهتمامي بالشأن الأدبي، شدّني أدب الأستاذ عبدالسلام هاشم حافظ -رحمه الله- بما يتسم به من ثراءٍ في الحضور، وتنوّعٍ في العطاء، وتعددٍ في المسارات التي طرقها في ميدان التأليف. ولم يكن هذا الانجذاب عابرًا، بل تحوّل إلى مشروع قراءةٍ ممتدة، ومحاولةٍ واعية لتقصّي ملامح هذه التجربة واستجلاء أبعادها.
من هنا، انبثقت فكرة إعداد عملٍ أدبي بعنوان: «عبدالسلام حافظ.. صفحات مجهولة من حياته وأدبه»، سعيتُ من خلاله إلى جمع ما تناثر من أخباره، واستقصاء ما خفي من ملامح تجربته، وذلك عبر سنواتٍ من البحث والتتبّع، والاقتراب من مصادر متعددة، بعضها مكتوب، وبعضها الآخر شفهيٌّ متصلٌ بذاكرة من عاصروه.
خلال تلك المرحلة، أُتيح لي أن أكون على مقربةٍ منه -رحمه الله- إذ كنت أتردد على منزله في المدينة المنورة، بحي الحرة الشرقية، غير بعيدٍ عن مبنى إدارة المرور، أزوره بين الحين والآخر، وأشهد جانبًا من حياته اليومية، حتى كان رحيله الذي ترك في النفس أثرًا لا يُمحى.
كما سنحت لي فرصة اللقاء بالأستاذ محمد هاشم رشيد -رحمه الله- رئيس النادي الأدبي بالمدينة المنورة آنذاك، حيث اطّلع على مسودة العمل، وأبدى استعداده لدعمه، مقترحًا أن تُقدَّم حوله محاضرة علمية، وهو ما لقي مني ترحيبًا، غير أن التزامات العمل في تلك الفترة حالت دون تحقيقه.
وفي سياق متصل، كنت أتلقى -بين حينٍ وآخر- استفساراتٍ من بعض طلاب الدراسات العليا، تتصل بأدب عبدالسلام حافظ وسيرته، فكنت أقدّم لهم ما تيسّر لديّ من مادةٍ علمية، في حدود ما أتاحته تلك التجربة من معرفةٍ وتوثيق.
كما كان لي شرف المشاركة بدعوةٍ من الأستاذ الدكتور محمد الرويثي -رحمه الله- رئيس تحرير مجلة «العقيق»، ببحثٍ علمي تناول جانبًا من أدب عبدالسلام حافظ، وقد نُشر هذا البحث ضمن أعداد المجلة، التي تُعد من المجلات العلمية المحكمة ذات الحضور المعتبر.
ومع تعاقب الأعوام، ظلّ هذا المشروع حيًّا في وجداني، يتجدّد كلما عدتُ إلى أوراقه، أو استحضرتُ ملامح تلك المرحلة التي عايشتُ فيها جانبًا من سيرة هذا الأديب. ولم تكن تلك المادة التي جمعتها مجرد رصيدٍ معرفي، بقدر ما كانت تجربةً إنسانية عميقة، كشفت لي عن ثراء الشخصية، وصدق التجربة، واتساع الأفق الذي كان يتحرك في مداه.
وقد تبيّن لي، مع مرور الزمن، أن ما دُوّن آنذاك لا يزال مفتوحًا على إمكاناتٍ أخرى من القراءة والمراجعة والإضافة، في ضوء ما قد يظهر من وثائق جديدة، أو يُستعاد من شهادات لم تُتح من قبل. فالأدب -بطبيعته- لا يُستنفد في قراءةٍ واحدة، ولا تُحاط به دراسةٌ بعينها، بل يظل مجالًا رحبًا للتأويل، ومتجددًا في دلالاته، ومتسعًا في آفاقه.
من هذا المنطلق، فإن إخراج هذا العمل إلى النور يأتي وفاءً لاسمٍ أدبيٍّ جديرٍ بالاستحضار، ومحاولةً للإسهام في حفظ جانبٍ من الذاكرة الأدبية في المدينة المنورة، وتوثيق سيرة أحد أعلامها الذين أسهموا في إثراء المشهد الثقافي بعطاءٍ متنوعٍ ومتجدد.
ولا يزال يقيني راسخًا بأن أدب عبدالسلام هاشم حافظ يختزن مساحاتٍ لم تُستكشف بعد، وأن إعادة قراءته -بحثًا وتحليلًا- تمثل استعادةً لمرحلةٍ مهمة من تاريخ الحركة الأدبية في هذه البلاد، مرحلةٍ تستحق أن تُروى بعناية، وأن تُقدَّم للأجيال بما يليق بها من تقديرٍ واهتمام.
من هنا، تتأكد الحاجة إلى تضافر الجهود البحثية، واستكمال ما بدأ، من أجل رسم صورةٍ أكثر اكتمالًا لهذا الأديب، وإبراز مكانته في خارطة الأدب السعودي، بما يتناسب مع أثره وحضوره.
كما يظل البعد الإنساني في حياته -رحمه الله- عنصرًا لا غنى عنه في فهم تجربته؛ إذ لم يكن مجرد كاتبٍ أو مؤلف، بل كان إنسانًا زاخرًا بالعلاقات، حاضرًا في محيطه الاجتماعي، وهو ما يضفي على نصوصه عمقًا لا يُدرك إلا في ضوء سياقه الحياتي.
ولا يقل عن ذلك أهميةً العمل على جمع آثاره المتفرقة، وإعادة نشرها، ولا سيما ما تناثر منها في الصحف والمجلات؛ إذ تمثل هذه الخطوة ضرورةً ثقافية، تسهم في إعادة تقديم هذا الأدب، وإتاحته للقراء والباحثين، بعد أن حالت عوامل النسيان دون وصول كثيرٍ منه.
وإذ أضع هذه الصفحات بين يدي القارئ، فإنني أستعيد البدايات الأولى لهذا المشروع، بما حملته من شغفٍ وتساؤل، ورغبةٍ صادقة في الاكتشاف. وأرجو أن يكون هذا الجهد لبنةً في مسارٍ أطول، وأن يسهم في فتح آفاقٍ جديدة من البحث والدراسة، تنصف هذا الاسم، وتعيد له حضوره المستحق في الذاكرة الأدبية.
رحم الله الأستاذ عبدالسلام هاشم حافظ، وجزاه عن الأدب وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم محبيه وتلامذته جميل الصبر وصدق الوفاء.
** **
- عبدالله سليمان السحيمي
@Alsuhaymi37