يُروى -والعهدة على الرواة- أن قطًّا عاش في العصر الحجري القديم، وكان ذا طموح غريب لا يشبه طموحات جنسه من بني القطط؛ إذ لم يكن يتطلّع إلى صيد فأرٍ سمين أو التمطي تحت الشمس، إنما كان يحلم بالطيران! نعم كما أقول لكم لقد كان ينظر إلى السماء بعينين تملؤهما الآمال، ويتخيل نفسه يحلق بين طيور الحرية، لينسج من الرياح قصائد عن العشق والانتفاضة، تخيلوا قطًّا يُريد أن يحلق في السماء كما تفعل الحمامات التي كان يراقبها بعيونٍ ملؤها الحسد والدهشة، لكنه - مع الأسف - كما تخوننا أحلامنا أحيانًا، مات قبل أن يشهد «رجليه» ترفرفان، لكنه أورث لسلالته هذا الحُلم المشروع، حتى أنهم تعاهدوا فيما بينهم ألا يأكلوا حمامة، ولا يضايقوا يمامة، وألا تمسّ شواربهم قطرة دهن من «تونة» حتى يتحقق حلم جدّهم الأعظم، فإما أن يصيروا طيورًا، أو يموتوا دون المحاولة!
مرت السنون، وتعاقبت العصور، وظلت القطط تُراكم الأحلام وتنتظر الزمن الذي سينصفها، وهنا لو كانت الدنيا مُنصفة لانتهت قصةُ القطط، غير أن هذا العصر الأدبي الرحيم أشرق أخيرًا؛ عصرٌ لا يردّ كائنًا عن أمنيته، ولا يقف في وجه أحد ما دام يحمل في صدره رغبةً جارفة في أن يُدعى: أديبًا. عندئذٍ انتعشت القطط، وأدركت أن الفرصة التي انتظرها الجد الحجري قد جاءت؛ فالأدب الحديث -أطال الله في سماحته- لم يعد يسأل كثيرًا: ماذا كتبت؟ وكيف كتبت؟ ولماذا كتبت؟ يكفي أن ترغب، وأن تتأثر، وأن تنظر إلى الأفق نظرةً فيها شيء من الشرود، ثم تخرج علينا شاعرًا أو روائيًا أو صاحب مشروعٍ جماليٍّ مفتوح على احتمالات الدهشة.
نحن في عصر بلغت فيه الإنسانية ذروتها، حتى أننا لا نقف في وجه طموح أي حيوان، المهم أن يملك إرادةً قوية وحلمًا يرفرف، وستجد الأدب فاتحًا ذراعيه له، يُسجل اسمه في سجلات الإبداع، فكما تحققت أحلام القطط بالطيران، تحققت أيضًا أحلام غيرها من المخلوقات، فأنا وقد بلغني سرًّا أنَّ هناك بعيراً قد قرّر أن يكتب عن العطش الوجودي، ونملة هجرتها رفيقاتها قررت أن تصدر مجموعة شعرية بعنوان «حافية بين أقدام العمالقة»، وغرابٍ وجد في نعيقه مشروعًا صوتيًّا خارج قوالب الفنّ التقليدي.
إنه زمنٌ عجيب يا أصدقاء، زمن يفيض بالتسامح، حتى أنَّ الأدب شعرًا ونثرًا صار مظلة لكل طموح، وصرنا لا نجرؤ على مصارحة أي كائنٍ بأنه لا يجيد الكتابة، لأن ذلك قد يقتل حلمه، ونحن لا نريد أن نُحطم الأحلام، فليرتفع الجميع.
أما أنت أيها الناقد، فإياك أن تفسد هذا العرس الكبير؛ فليس مطلوبًا منك أن تفهم ولا أن تميّز، ولا أن تقول: هذا ركيك وهذا متين، هذا صادق وهذا متكلف، المطلوب شيء واحد: أن تُدهش، وأن تهزّ رأسك بإعجاب، وأن تطلق بين الحين والآخر تنهيدةً مثقفة توحي بأنك أمام عملٍ أربك اللغة وخلخل المألوف وفتح كوةً في جدار المعنى، أما النقد! فهذا خلقٌ قديم لا يليق بعصرنا الوديع، ومن سوء الأدب أصلًا أن تطلب من الأدب أدبًا.
قد هيؤوك لأمر لو فطنت له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
وأما إن فكرت في نقد شاعرٍ أو كاتبٍ أو روائي، فالويل لك والثبور! فقط قل: «الله! هذا عملٌ بديعٌ وجميل»، وتذكر أنَّ المهم أن نحلّق... المهم أن نكتب... المهم أن نحلم، فلسنا أقل من القطط.
** **
أسامة بن يحيى الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر