حاورته - سارة العَمري:
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتتصاعد فيه الأصوات، يختار الإعلامي خالد الباتلي أن يقف في منطقة مختلفة، لا كمن انسحب من المشهد، ولكن كمن يعيد تأمله من زاوية أعمق.
بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل بين الصحافة الورقية والمنصات الرقمية، تبدو تجربته أشبه بمحطة تأمل في تحولات المهنة، حيث تغيّرت الأدوات وتبدلت الإيقاعات، بينما بقي السؤال القديم حاضرًا كيف يمكن للإعلام أن يحافظ على معناه وسط هذا الضجيج؟
في هذا الحوار، يحاول ضيفنا ألا يقدّم إجابات تقليدية، ويسعى ليفتح أسئلة أكبر حول الإعلام، المصداقية، وفوضى التأثير. يتحدث عن زمن «حارس البوابة» الصارم، وعن جيل يكتب ليُجيز وآخر يكتب ليُرى، وعن المهنة التي انتقلت من صناعة المعنى إلى سباق الانتشار.
خبرته التي تجاوزت ثلاثين عامًا تمنحه مساحة لقول ما يراه بوضوح، لكنها في الوقت ذاته تجعله أكثر ميلاً للتأمل من إطلاق الأحكام. وبين ذكريات المانشيتات التي صنعت جدلاً، وتساؤلات الحاضر حول الإعلام الجديد، يقدّم الباتلي قراءة هادئة لمشهد إعلامي يتغير بسرعة، ويطرح أسئلة تتجاوز الأشخاص إلى جوهر المهنة نفسها؛ خبرة الباتلي الطويلة تمنحه الحق في أن يقول الكثير ويجعلنا نسمع لما لم يقل أكثر.
أستاذ خالد عاصرت العصر الذهبي للصحافة الورقية ما هو «المانشيت» الذي لا يزال محفوراً في ذاكرتك؟
- لا زلت أذكر مانشيتًا لم يُنشر وهذا هو الأهم، كان عنوانًا جريئًا لحوار أجريته مع مثقفة سعودية بمجلة اليمامة يلامس منطقة حساسة، استغرقنا في إعداده أيامًا، ثم أوقفه رئيس التحرير قبل الطباعة بلحظات، يومها شعرت بخيبة، لكنني بعد سنوات فهمت أن الصحافة ليست ما تكتبه فقط، ولكن ما تختار ألا تكتبه.. لعبة الحسابات ويجوز ولا يجوز للكبار فقط وللمرتعشين أيضاً!
المانشيت الذي لا يُنشر أحيانًا أكثر صدقًا من الذي يُنشر، لأنه يختبر ضمير المؤسسة لا مهارة الكاتب لذلك، الذاكرة الصحفية ليست أرشيفًا مطبوعًا هي أرشيف أخلاقي مهني عالي الصفات والملكات، لكن في المقابل أذكر مانشيتاً لحوار مع مستشرقة أجنبية كان «لو عاد بي الزمن لتزوجت بدوياً» وأذكر التبعات التي جاءت بعد نشره.
بدأت في زمن «حارس البوابة» الصارم كيف ترى الفرق بين جيل التدقيق وجيل النشر المباشر؟
- جيلنا كان يكتب ليُجيز، وجيل اليوم يكتب ليُرى، الفارق ليس في الأدوات، ولكن في الغاية حارس البوابة لم يكن مجرد رقيب، كان شريكًا في صناعة المعنى، كان يسأل هل هذا يستحق النشر؟ أما اليوم فالسؤال هل هذا قابل للانتشار؟ في السابق، كانت القيمة تُصنع قبل النشر، واليوم تُقاس بعده، وهذه نقلة خطيرة، لأنها تجعل الجمهور حكمًا على الجودة، بينما الجمهور بطبيعته ينجذب لما يثيره لا لما يبنيه.
هل فقدنا المصداقية في سبيل السرعة؟
- لم نفقد المصداقية نحن أعدنا تعريفها، أصبحت المصداقية اليوم تعني أن تكون أول من ينشر، لا أن تكون أدق من يكتب وهذا تحوّل فلسفي، لا مهني فقط، السرعة ليست مشكلة، لكنها حين تتحول إلى معيار فهي تُقصي كل ما هو عميق، نحن لم نخسر المصداقية لأننا أسرع، خسرناها لأننا اختزلنا الحقيقة في لحظة نشر، بينما الحقيقة تحتاج زمن فهم.
كيف تشخص فوضى المشاهير؟ وهل الأرقام تقرر من هو الإعلامي؟
- الأرقام لا تصنع إعلاميًا هي تصنع ظاهرة؛ وهناك فرق كبير، المشكلة أننا استبدلنا الرسالة بالوصول، والأثر بالانتشار، المشهور اليوم قد يملك جمهورًا، لكنه لا يملك بالضرورة تأثيرًا نوعيًا، الإعلامي الحقيقي يُقاس بما يغيّره في وعي الناس، لا بعدد من يمرّون عليه، لكن دعني أكون صريحًا: المؤسسات والمنصات نفسها هي من فتحت الباب، لأنها اختارت الطريق الأسهل. بدل أن تبني إعلاميًا، استعارت مشهورًا، وهنا بدأت الفوضى.
لماذا عجزت مؤسساتنا الصحفية عن التحول الرقمي الحقيقي؟
لأنها نقلت الشكل ولم تفهم الفلسفة التحول الرقمي ليس موقعًا إلكترونيًا، هو عقلية ونظام وخوارزميات ولهاث خلف اللحظة، المؤسسات تعاملت مع الرقمية كمنصة نشر، لا كبيئة تفكير، ما زالت تُدار بعقلية العدد الورقي، حتى وهي تنشر على الشاشة، التحول الحقيقي يعني إعادة تعريف الخبر، ودور الصحفي، وطبيعة الجمهور، لكن ما حدث هو أننا نقلنا المحتوى من الورق إلى الشاشة، واعتقدنا أننا تحوّلنا، افتقدنا الورق وضاعت هويتنا وأصبحنا بلا ملامح، وأصبح عملنا فقط كيف نقنع المعلن أننا «ترند» له.
أين يقف الإعلام السعودي من القفزات الكبرى؟ وهل نحتاج ثورة إدارية؟
- الإعلام السعودي اليوم يسير خلف الحدث بينما يجب أن يصنع سياقه، نحن نعيش تحولات تاريخية، لكن التغطية غالبًا وصفية، لا تفسيرية نحتاج إلى عقل استراتيجي إعلامي، لا مجرد غرف أخبار، أما الثورة الإدارية، فهي ضرورة لكن ليست في الهياكل، بل في معايير الاختيار، حين تُدار المؤسسات بمن يفهم الإعلام كصناعة تأثير، لا كوظيفة، سيتغير كل شيء، حين تصدرنا المشهد العالمي وجاءتنا التحولات والمتغيرات.. للأسف افتقدنا لوجود إعلامي مختص بقطاع وبقضية معينة، فقدنا التركيز والتأثير.. نملك القنوات والمنصات، ولكن في المقابل، لا نملك المتخصص الذي يتحدث جيداً أو يعلق بمهارة أو يرد باحترافية.
ابتعادك عن المشهد زهد أم اعتراض؟
- أنا لست مبتعداً ولم اتخذ موقفا، لا انسحاب، كل ما في الأمر أنني ما عدت أجد مضمارًا للركض الصحفي أطلق فيها ساقيي؛ فاكتفيت بمنصة إكس وفيها بعض مما مضى يبقيني على قيد الحياة الكتابية، أنا لا أؤمن بالحضور لمجرد الظهور، وحين يصبح الصوت العالي بديلاً عن الفكرة، أفضل الصمت، ليس زهدًا في الأضواء، ولكن رفضًا لأن أكون جزءًا من ضجيج لا يضيف معنى، أحيانًا، الغياب ليس غيابًا، بل إعادة تموضع.
يرى خالد الباتلي أن التحولات التي يعيشها الإعلام اليوم تتجاوز تغير الوسائط إلى تغير في فهم المهنة نفسها؛ فبين الصحافة التي كانت تُصنع قبل النشر، والإعلام الذي يقاس اليوم بعدد المشاهدات، تبقى المعايير المهنية والعمق الفكري - في رأيه - الضامن الحقيقي لبقاء الإعلام مؤثراً في وعي المجتمع.