أفسدنا فهم شعر العرب يوم حوّلنا البيت الواحد إلى مجتمع كامل، واللفظة الواحدة إلى نظرية اجتماعية مكتملة.
القارئ الحديث للشعر الجاهلي لا يكتفي بقراءة النص، بل يجرّه بلحيته إلى قوالبه الجاهزة، ثم يقول بثقة عجيبة: هكذا كان العرب.
أخطر ما يقع فيه قارئ النص القديم أن ينسى أن ما بين يديه جزء، ثم يصرّ على أن يتعامل معه كأنه هو الكلّ.
لنبدأ من هذه النقطة الواضحة: النصوص شظايا حياة، لا مرايا لرغبات القرّاء.
من لا يملك صورة حياة العرب في معاشهم وحربهم وحيوانهم وسلّم قيمهم، لن يفهم شعرهم مهما حفظ من الأبيات والأخبار، لأنه سيرى الشظية ولا يرى اللوحة، فيضخّمها حتى تبتلع كل شيء.
كل مرة نعامل فيها الجزء كأنه الكل، نكتب تاريخًا جديدًا للعرب لا يعرفه العرب، ولا يجدونه فيما يعرفون من أنفسهم.
خذوا مثلًا دريد بن الصمّة، وهو يعيّر خصمه في هجاء مشهور فيقول:
تَمَنَّيتَني قَيسَ بنَ سَعدٍ سَفاهَةً
وَأَنتَ اِمرُؤٌ لا تَحتَويكَ المَقانِبُ
وَأَنتَ اِمرُؤٌ جَعدُ القَفا مُتَعَكِّسٌ
مِنَ الأَقِطِ الحَوليِّ شَبعانُ كانِبُ
القارئ العَجِل يمسك بالشطر الثاني وحده: من الأقط الحولي شبعان كانب، ثم يخرج بحكم جاهز: الشاعر يسخر من رجل مترف، يعيش في وفرة من الطعام المخزون، بطْنُه ممتلئ، وعيشته رغيدة.
بعدها بدقائق تصبح هذه السطور وثيقة عن الطبقات في المجتمع الجاهلي، وعن الأغنياء الذين يسمنون على حساب الفقراء، وكأن البيت بطاقة تقرير ميداني في علم اجتماع معاصر.
هكذا يتحول بيت واحد إلى مجتمع متخيَّل.
لكن من ينظر إلى حياة العرب لا إلى شطر واحد من بيت، يرى شيئًا آخر. المقانب هي سرايا الخيل في الغزو، عالم الفرسان والخيل والسيوف.
والأقط الحولي عالم الشاة والرعي والعيش على اللبن المجفف المدّخر لعام كامل. من ينظر إلى عبارة شبعان من الأقط الحولي وحدها سيرى رجلًا مترفًا، ومن ينظر إلى حياة العرب سيرى عالم غنم وأقط في مواجهة عالم مقانب وغزو.
القراءة المجزوءة حوّلت بيت دريد إلى وثيقة عن الطبقات الاجتماعية، مع أنه في حقيقته وثيقة عن الفارق الحاد بين الفارس والشّاوي، بين ابن الغزو وابن القعود في ظلّ الغنم.
حين ننسى المقانب ونبقي الأقط، يصبح دريد بن الصمّة شاهد زورٍ في محكمة لم يحضرها أصلًا.
وعروة بن الورد تعرّض لظلم أشدّ من هذا.
منذ سنوات ونحن نردّد صورته بوصفه فقيرًا نبيلًا يصرخ في وجه مجتمع ظالم، حتى كدنا ننسى أنه فارس يغزو ويقسم الغنيمة ويُطعم أتباعه. انظروا إلى بيته الشهير الذي يخاطب فيه من يعيّره بجوعه وشحوبه:
أُقَسِّمُ جِسْمي في جُسُومٍ كَثيرَةٍ
وَأَحْسُو قَراحَ الماءِ وَالماءُ بارِدُ
فقد حوّلنا عروة بن الورد من فارس يطعم الجياع إلى ضحية تصرخ في وجه مجتمع قاس، فقط لأننا أحببنا حكاية الفقير النبيل الذي يناسب ذوقنا الحديث.
الجسد الشاحب عند عروة ليس جسدًا مسحوقًا تحت الفقر، بل جسد فارس قرّر أن يجوع ليشبع غيره.
من يقرأ: «أقسِّم جسمي في جسوم كثيرة» بعيدًا عن حياة العرب سيرى استغلالًا أو مظلومية، ومن يقرؤها فيها سيرى مروءة في أقصى تجلّياتها، يرى رجلًا يجعل بدنه رأس مال يُوزّعه على الضعفاء.
هذه الأبيات لا تشكو مجتمعًا طبقيًّا، بل تفضح قراءة طبقية مفروضة على مجتمع لا يعرف هذه القوالب أصلًا.
الفقر هنا ليس بنية صراع طبقات، بل ثمرة خيار أخلاقي عند فارس يفضّل أن يتحمّل هو وطأة الجوع ليبقى لقومه ما يستعينون به.
من يملك صورة حياة العرب يضع هذه الأبيات في مكانها من اللوحة: ضمن عالم الغزو والنجدة وتقاسم القوت، وعالم الجود والكرم الذي ضُرب بعروة فيه المثل، لا ضمن رواية حسنة الإخراج عن صراع الفقير مع الغني.
وخذوا مثالًا ثالثًا من عالم ما يسمّى الصعاليك، عند السُّليك بن السُّلَكة ومن شاكله ممّن تُروى عنهم أخبار الجوع والتعب والغياب عن موارد القوم أيّامًا.
القارئ الذي يبحث عن صراع الفقراء مع الأغنياء سيجد ضالّته فورًا: جوعًا متكرّرًا، وإجهادًا للجسد، وقطعًا للفيافي طلبًا للقوت، فيحوّل هذه الأخبار إلى مشهد ضحيّةٍ مقهورةٍ تدفعها الحاجة إلى قطع الطريق والنهب.
لكن السليك الذي تتحدّث عنه الأخبار هو واحدٌ من ذئاب الصحراء، رجلُ عَدْوٍ وغزوٍ، يتدرّب على الجوع كما يتدرّب على السلاح. فهو قد يجوع جوعًا شديدًا، ولكنّه جوع الذئب لا جوع العاجز؛ جوعُ كائنٍ ينهض إلى طعامه بنفسه، ويحتال له بسعيه وجلده وجرأته.
ولذلك لا يصحّ اختزاله في صورة فقيرٍ مقهورٍ ينتظر من يطعمه أو يغيثه؛ لأن جوعه جزءٌ من منهاج الرآبلة والذؤبان، لا شاهدٌ على سحقٍ طبقيٍّ بالمعنى الحديث.
ومن ثمّ فإن تحويله إلى شعارٍ للفقر البنيوي إساءةُ قراءةٍ لا تقلّ عن التزوير.
القاسم المشترك في هذه الأمثلة الثلاثة يسيرٌ في ظاهره حاسمٌ في نت يجته.
في كل مرة عوملت الشظية كأنها اللوحة، انقلب المعنى. الشبع من الأقط تحوّل إلى رمزِ غنىً اجتماعيٍّ متخيَّل، مع أنه علامة نمط معاش أهل الغنم في مقابل عالم الإبل والمقانب.
شحوب جسد عروة تحوّل إلى بكاء فقير، مع أنه تجلّ فخار فارس يوزّع قوته على الضعفاء.
جوع السليك تحوّل إلى دليل على سحق طبقة كاملة، مع أنه جزء من تدريب جسد الذئب الصحراوي على احتمال مشقة الغزو.
المشكلة ليست في النصوص، بل في عيوننا نحن.
الجوع في شعر الصعاليك ليس دليلًا آليًا على صراع طبقي، كما أن الأقط الحولي ليس بطاقة عضوية في طبقة برجوازية مبكّرة.
ليس الظلم في الأبيات، بل في الطريقة التي نقرأ بها الأبيات: ظلمنا العرب حين حمّلناهم مشكلاتنا، ثم اتهمناهم بها.
السؤال الذي يجب أن يسبق كل قراءة واضح: هل أرى هذه الشظية كما هي، جزءًا من حياة كاملة، أم أصرّ على أن أجعل منها مرآة ترد إليّ صورتي أنا؟
** **
- تركي بن ماطر الغنامي