هذا المقال امتدادٌ لما سبق نشره، ومحاولةٌ لاستكمال الأسئلة التي بدأت تتشكّل في سنوات البعثة، وربما قبلها بوقتٍ أطول مما كنت أتصوّر.
فما قبل البعثة لم يكن فراغًا، بل كان زمن التكوين الأول؛ تلك السنوات التي قضيتها طالبًا في جامعة الملك عبدالعزيز، ما بين 1984 و1989، حيث تداخلت الدراسة مع فضاءٍ ثقافي أوسع، كان النادي الأدبي في جدة أحد أبرز ملامحه.
أحسب اليوم، بعد مرور الزمن، أنني كنت محظوظًا بأن عايشت ما يمكن وصفه بالفترة الذهبية لذلك المشهد؛ حيث كانت الأسماء حاضرة، مثل: د. عبد الله الغذامي، ود. سعيد السريحي، والأستاذ عبدالفتاح أبو مدين، وأستاذي د. محمد الكردي -وغيرهم كثير- رحم الله من ودّعنا منهم، وأطال الله في عمر من بقي. كانت الحوارات عميقة، والأسئلة أكبر من قدرة الفهم آنذاك. لم أكن أستوعب كل ما يُقال، لكن شيئًا ما كان يترسّب في الوعي، بصمت، ليعود لاحقًا في سياقٍ مختلف، أكثر نضجًا واتساعًا.
ومن هنا، تبدو سنوات البعثة امتدادًا لذلك التكوين، لا قطيعة معه؛ إذ لم تكن الأسئلة التي واجهتها في باريس جديدة تمامًا، بل كانت، في جانبٍ منها، صدى لأسئلة قديمة، بدأت تتشكّل في تلك القاعات، وتحت أضواء تلك المنابر الثقافية.
وهكذا، فإن ما نعدّه بدايةً، قد لا يكون إلا استمرارًا، وما نظنه تحوّلًا، قد يكون كشفًا متأخرًا لما كان يتشكّل فينا منذ زمن.
لم تكن باريس بداية الأسئلة، بل كانت اختبارها.
حين وصلت إلى السوربون، لم أشعر أنني أدخل عالمًا جديدًا بقدر ما شعرت أنني أواجه أسئلة قديمة، لكن بصيغةٍ مختلفة. كانت القاعات أكثر تنظيمًا، والمفاهيم أكثر وضوحًا، لكن القلق نفسه كان حاضرًا؛ ذلك القلق الذي يجعل المعرفة لا تُطمئن بقدر ما تُربك.
في تلك البيئة، لم يكن الأدب منفصلًا عن الفلسفة، ولا النص بعيدًا عن سياقه. كانت الأعمال تُقرأ بوصفها جزءًا من منظومة فكرية، لا مجرد تجربة جمالية. وهنا، بدأ يتكشف لي الفرق بين مسارين: مسارٍ يميل إلى تحويل التجربة إلى نظرية، وآخر يتركها تتشكّل داخل النص دون إعلان.
حين قرأت «نظام الخطاب» لفوكو، لم أكن أتعرف على كتابٍ فحسب، بل على طريقة في التفكير؛ طريقة تجعل اللغة نفسها موضوعًا للسؤال، وتكشف أن ما يُقال ليس بريئًا كما يبدو. هناك، أدركت أن الخطاب ليس وسيلة، بل بنية، وأن المعرفة لا تُنقل فقط، بل تُنتج.
لكن المفارقة أن هذا الاكتشاف لم يكن جديدًا بالكامل؛ بل كان امتدادًا لما عشته في جدة. تلك الحوارات التي بدت يومًا غامضة، بدأت تتضح، وكأنها كانت تمهيدًا غير مكتمل لما سأفهمه لاحقًا.
وهنا، لم يعد السؤال: من الذي أخذ عن من؟ بل: كيف تتشكّل الأفكار في سياقات مختلفة، ولماذا تتشابه نتائجها رغم اختلاف طرقها؟
إن ما كشفته لي باريس، ليس اختلاف الأدب، بل اختلاف الوعي به. فبينما يميل الأدب الفرنسي إلى صياغة تحوّلاته في مدارس واتجاهات واضحة، يحتفظ الأدب العربي بطابعه التجريبي، حيث تتجلّى التحوّلات دون أن تُعلن نفسها.
وهكذا، لم تكن باريس قطيعة مع ما قبلها، بل كانت إعادة قراءة له. فالفهم لا يولد في مكانٍ واحد، بل يتشكّل عبر مسافات؛ بين تجربةٍ لم تُفهم، وأخرى جاءت لتكشف معناها.
ولعل هذا ما يجعل الرحلة في جوهرها ليست انتقالًا بين مدن، بل انتقالًا في الوعي؛ من السؤال بوصفه بحثًا عن إجابة، إلى السؤال بوصفه طريقًا للفهم.
ومن هنا، لم تعد باريس مدينةً كما يُقال، بل مدينةً تكشف أن النور لا يُرى إلا حين نعرف أين ننظر.
من دفاتر سنوات البعثة، حيث تداخلت التجربة بالتأمل.
** **
- أ.د. فايز الكفافي الشهري