تطل الندوات الثقافية اليوم لتعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الهوية، الثقافة، والإبداع، بعدما غدت ضرورة ملحة في زمن تتراكض فيه التحولات وتتداخل فيه التحديات. فهي لم تعد ترفًا نظريًا أو نشاطًا هامشيًا، بل أداة لتحويل العشوائية إلى نظام، والارتجال إلى رؤية، عبر إدارة واعية تخطط وتنسق وتؤرشف؛ لتجعل من كل نشاط أو مبادرة فردية منظومة مؤسسية ذات أهداف بعيدة المدى، لا مجرد حدث عابر مؤقت. ومن هذا المنطلق تسهم الندوات في تعزيز الانتماء الثقافي، إذ تمنح المشاركين فرصة التفاعل مع قضاياهم المحلية والعالمية، تقرب المسافات بين الأجيال، تثري التجربة وتعمق الفهم، تفتح المجال أمام الأصوات المهمشة لتجد منبرًا يتيح لها التعبير والمشاركة في صياغة رؤيتهم الثقافية العامة.
الندوات الثقافية ليست مجرد لقاءات عابرة، بل نشاط ثقافي مهم يحتاج إلى وضع قواعد لها تحقق الفائدة القصوى منها وتمنع ما يقلل فائدتها، وسنذكر هنا بعض هذه القواعد استنادًا إلى ملاحظات المشاركين فيها: المتحدث الرئيس، والمقدم، والمداخلات، والحاضرين.
فقبل الندوة يكون التخطيط لها: بتحديد أهداف واضحة، والفئة المستهدفة، وموضوع الندوة مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالواقع الثقافي والاجتماعي يثير اهتمام الجمهور ويزيد تفاعله معه، والمتحدث الرئيس الذي له خبرة أكاديمية أو عملية في الموضوع وعنده إضافة ويحسن صياغة محتواه صياغة تجعل الحاضرين المتخصصين يشعرون بقيمتها، والتأكيد عليه أن يعتمد على مصادر موثوقة ويلتزم بالمنهجية العلمية في عرض الأفكار وتحليلها، وتحديد أقسام وقت الندوة بين المتحدث الرئيس والمناقشات ومدة كل مداخلة والمقدم الذي يحسن التقديم وإدارة الندوة.
ثم بعد ذلك تجهيز المكان بالوسائل التقنية واللوجستية كأجهزة العرض ومكبرات الصوت واختبارها قبل موعد الندوة بوقت طويل وقبيل بدئها خاصة مكبرات الصوت فكثيرا ما تشوش أو تتعطل.
وعند بدء الندوة يبدأ دور مديرها بمقدمة مختصرة واضحة تكون افتتاحًا مناسبًا للندوة بمعلومة مهمة تبصر الحاضرين بالموضوع بعيدًا عن الكلام الإنشائي والإطالة، والتكلف سواء في التقديم أو في طريقة الإلقاء ويكون صوته مناسبًا ليس بالمرتفع المزعج ولا المنخفض الذي لا يسمع أو لا حماس فيه، ويخبر الحاضرين بفتح المجال للمداخلة بعد انتهاء المتحدث الرئيس من حديثه مع التأكيد لهم على الالتزام بأن تكون في صلب الموضوع وأن يكون فيها إضافة بعيدا عن عبارات الشكر الطويلة والثناء الطويلة والالتزام بالوقت المخصص لكل مداخلة دقيقة واحدة مثلًا وألا تكون تكرارًا لما قال المتحدث الرئيس أو مداخل سابق. ويخبر المتحدث الرئيس بمدة الوقت المخصص له وينبهه إلى انتهائه ولا بأس بإطالة المدة شيئًا يسيرًا إذا كان يتكلم بكلام مهم أو تبين تفاعل الحاضرين معه.
وبعد انتهاء كلمة المتحدث الرئيس تأتي المداخلات وفيها تكبر مسؤولية مدير الندوة في المرونة في إيقاف المداخلات بإيقاف غير المفيدة بحجة انتهاء الوقت والتمديد للمفيدة قليلًا بما يكفي لإتمام الفكرة. وبعد المداخلات يقدّم المدير خاتمة مختصرة تتضمن خلاصة كلام المتحدث الرئيس، وأبرز التوصيات، ثم يختم بشكر المتحدث والحاضرين.
الندوات الثقافية ليست مناسبات للتلاقي فحسب، بل استثمار في الوعي الجمعي، وإعادة تشكيل لطرق التفكير والتفاعل مع الواقع. وحين تُدار بوعي منهجي تصبح قادرة على مواجهة تحديات العصر وصناعة مستقبل أكثر إبداعًا وتميزًا، يرسخ قيم الحوار، ويعزز حضور الإنسان في زمن التحولات المتسارعة، ويخدم أهداف المجتمع على المدى البعيد.
** **
د. نورة بنت عبد الله العمر - أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود
@nora_7055