تطالعنا بين فترة وأخرى شخصيات أدمنت «الاستنقاص» من قيمة ديوان العرب؛ ذلك الإرث العظيم الذي وصل إلينا في تمام نضجه وحنكته، ولم يكن هذا الديوان وليد يوم وليلة كما يتوهم من قصر علمه، بل هو ثمرة سنوات طويلة من التلقيح والتنقيح، وتواصل لغوي عجيب صهر الأنفاس والعقول في بوتقة واحدة.
إن هؤلاء المدعين، الذين انبروا لانتقاد هذا المحيط المترامي الأطراف بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا، يزعمون أن القصيدة العربية ما هي إلا «حشو» أو كلام بارد يحيط بأبيات قليلة مؤثرة! ويذهب بعضهم إلى القول بأنك لو قرأت ديوانًا كاملًا لن تخرج بأكثر من عشرين بيتًا تستحق القراءة! وهنا نقول لهؤلاء: كفى! فما كان لهذا الديوان أن يُذهل العرب أنفسهم، ويستوقف كبار المستشرقين الذين أفنوا أعمارهم في دراسته، لو كان كما تدعون.
لقد ظل الشعر العربي يتطور في المحافل، وفي عكاظ ومجنة وذي الجاز، وفي مجالس الأمراء والوزراء، وحتى في طرقات البسطاء؛ كان هو «الوسيلة الإعلامية»، فلم يكن الشعر عند العرب يومًا مجرد رصف للألفاظ أو تزجية للوقت، بل كان «ديوانًا» جامعًا، وسجلًا خالدًا لحياتهم، وفلسفتهم، وقيمهم، إن هذا الديوان هو الذي حفظ لنا هويتنا، وإن لغة الشعر العربي التي وصلتنا في العصر الجاهلي وما تلاه، تمثل قمة الهرم اللغوي؛ فهي لغة جزلة، ومعانٍ عميقة، وصور خيالية تطير لها العقول، هذا الترابط العضوي في القصيدة لم يأتِ عبثًا، بل هو نتاج «التواصل العجيب» الذي وجد قبوله لدى العرب الأقحاح الذين هم أدرى بلسانهم وسره لقربهم منه ومن عصره، ولذا قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه»، وصدق أبو «هلال العسكري» حين أقرّ بأن «لولا الشعر لذهب ثلث لغة العرب»، إنه المعلم الذي أرسى قواعد الاستعارة والكناية، وفنون الإيجاز والإطناب، وعلمنا كيف نصور العواطف الإنسانية في أدق تفاصيلها، بل إن المفارقة العجيبة تكمن في أن هؤلاء المستنقصين هم أنفسهم يتفننون في كتاباتهم مستخدمين الألفاظ والصور التي لولا ديوان العرب لما عرفوا لها سبيلًا.
لقد وقف المستشرق الألماني «كارل بروكلمان» منبهرًا أمام هذا السمو الفني، فقال في كتابه «تاريخ الأدب العربي»: «لقد بلغ الشعر العربي من حيث الشكل درجة من الكمال لا نكاد نجد لها نظيرًا في أي أدب آخر من آداب الأمم».
تأملوا معي صدق الفن وجزالة القول؛ هل نسي هؤلاء تصوير امرئ القيس لليل الذي تمطى بصلبه:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ
عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
أو حِكمة المتنبي الصارمة التي لا تموت:
عَلى قَدْرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وإذا ما دلفنا إلى ديوان الفارس الجاهلي «عامر بن الطفيل»، - ويُعد من أبرز فرسان العصر الجاهلي وساداته، وهو نموذج للشاعر الذي يطابق شعره فعله، ديوانه يفيض بعزة النفس، والفروسية، والأنفة، ورغم أنه لم يترك مطولات كثيرة كأصحاب المعلقات، إلا أن قصائده «مقطرات» كأنها السهام نصلًا ونفاذًا - وجدنا الرد الصاعق على دعوى «الحشو»، يقول معتزًا بفعله لا بأصله:
وإني وإن كنتُ ابنَ سيدِ عامرٍ
وفارسَها المشهورَ في كلِّ مَوكبِ
فما سوّدتني عامرٌ عن وراثةٍ
أبى اللهُ أن أسمو بأُمٍّ ولا أبِ
ولكنني أحمي حِماها وأتّقي
نِبالَ العِدا عنها بِمَنكبِ مِعْقَبِ
تأمل قوله: «فما سوّدتني عامرٌ عن وراثةٍ»؛ هنا ينفي الشاعر «السيادة الساكنة» التي تأتي بالمصادفة، ويقرر «السيادة الفاعلة»، استخدام أسلوب القصر والتوكيد يعزز الحجة بأن المجد الشخصي هو «صناعة» وليس «منحة»، وهو رد مفحم على من يظن أن ديوان العرب كلام مرسل، بل هو دستور أخلاقي يحدد قيم الاستحقاق، أفي هذا الصدق النفسي والجزالة اللغوية حشو؟ وكيف يكون حشوًا قوله وهو يواجه الموت بصبر يفتت الصخر:
أقولُ لنفسي لا يُراعُكِ مَوقِعٌ
فما بعدَ حدِّ السيفِ مَوقعُ يائسِ
وفي تصويره للحرب وهي قصيدة تعكس جزالة اللفظ الجاهلي وقدرته على التصوير الحسي:
أعاذلَ إنّ الخيلَ تُردي بفرسها
وطعنٍ كإيزاغِ المَخاضِ من الدّمِ
وإني لَمنْ قومٍ كرامٍ أعِزةٍ
إذا غضِبوا لم يُغرِهمْ كثرةُ الدّمِ
ففي البيت الأول، يستخدم الشاعر تشبيهًا تمثيليًا غاية في القوة: «كإيزاغ المخاض من الدم»؛ حيث يشبه تدفق الدم من الطعنة بدفع الناقة المخاض لبولها (وهو تشبيه بيئي جاهلي بامتياز)، هذا التصوير الدقيق يظهر أن الشاعر لم يكن يرصف كلمات، بل كان «رسامًا» بكلماته، يصور هول المعركة بدقة تجعل السامع يراها رأي العين.
إن قصائد الف حول كـ زهير بن أبي سلمى «شاعر الحوليات» الذي كان ينقح قصيدته عامًا كاملًا، يقول: «وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ»، وطرفة بن العبد الذي يرى أن الأيام «ستبدي لك ما كنت جاهلًا»، ولبيد بن ربيعة الذي أعلنها صرخة مدوية: «أَلا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللَهَ باطِلُ»، وهذا البحتري في (وصف الطبيعة) يقول:
أَتَاكَ الرَّبِيْعُ الطَّلْقُ يَخْتَالُ ضَاحِكًا
مِنَ الحُسْنِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَا
تتميز هذه الأبيات بكونها «جوامع الكلم» عند العرب، حيث تختصر فلسفة الحياة والجمال في تراكيب لا يمكن وصفها بالحشو أبدًا، إنما هي رحلة نفسية وبناء متكامل، وما يراه البعض حشوًا يراه البليغ توطئة وتمكينًا للمعنى في سويداء القلوب، فهل بعد هذا الجمال جمال؟ وهل بعد هذا البيان بيان؟
يا هؤلاء، كفوا أيديكم عن ديوان العرب؛ فإنه المحيط الذي لا تنفد عجائبه، وإن آراءكم هذه ستبقى مجرد أوهام لن تنطلي علينا، ولن تغير من قيمة هذا التراث في نفوسنا. إن الحكم على ديوان العرب يتطلب قراءات عميقة، ومعايشة لروح اللغة لفترات طويلة، قبل الخوض في أحكام سطحية، إنني أدعوكم إلى القراءات العميقة في كتب البلغاء قبل الخوض في أحكام جائرة، فديوان العرب سيبقى شامخًا بالحق المبين.
** **
د. أحمد سالم آل سالم - دكتوراه في الأدب والنقد والبلاغة