حاورته - سارة العَمري:
يفتح كتاب «ما لا يُقال في المقررات» نقاشاً حول الفجوة بين ما يُدرس في تخصصات الإعلام والاتصال، وما يواجهه الممارسون فعلياً داخل بيئات العمل، وهو إهداء موجّه إلى أولئك الذين أنهكتهم الاجتماعات الطويلة، وأربكتهم النماذج غير المكتملة، وربطوا الفهم بتوقيع بريد إلكتروني، والإبداع بخطاب رسمي، والتنفيذ بعبارة «خارج اللائحة» والتي غالباً ما تكون تنظيراً أكاديمياً، وتأتي التجربة لتختبرك تحت الضغط، وتترك المعنى الحقيقي للإعلام وسط الزحام؛ في هذا السياق، تحاور «الثقافية» الأستاذ عبدالعزيز الزهراني، أحد مؤلفي الكتاب، لتوضح ما يقدّمه الكتاب من خلال 22 قاعدة مستخلصة من الواقع، تلامس تفاصيل العمل اليومي، وتسعى إلى تطبيع لغة الإعلام والإنتاج في قالب معاً.
ما الذي لم يُقل في التعليم الإعلامي؟
عنوان الكتاب يطرح تساؤلاً مباشراً؛ ما الذي لم يُقل في المقررات الجامعية واضطررتم لكتابته من واقع التجربة؟
ما لم يُقل في المقررات هو الجانب الإنساني والعملي للعمل الإعلامي والاتصالي، الاتصال بحسه البشري التواصلي، ذلك الجزء الذي لا يظهر في الخطط الإعلامية ولا في القوالب النظرية، لكنه يحكم الممارسة اليومية بكل تفاصيلها، تشرح المقررات كيف ينبغي أن يكون الإعلام؟، لكنها نادراً ما تقترب من «كيف يُمارَس فعلياً» داخل المؤسسات.
ما لا يُقال في المقررات هو دويّ صوت رئيس القسم غاضباً، وجدال العميل، وحسم الراتب، وقلق التقييم، وانتظار المكافآت، ورضا الناس، وحسّ الإنسان المهني وهو يحاول أن يوازن بين كل ذلك؛ في تلك اللحظات يصبح ما في المقرر بارداً، وتكون حرارة الواقع هي المنهج الحقيقي.
إننا نحكي قصة التواصل، حين يُغلق كتاب المقرر، ويُفتح باب التعامل، حين يبدأ الاختبار الفعلي: كيف تتصرف، وماذا تقول، وكيف تحافظ على المعنى وسط الضغط؟ عندها لا تكون درجة الامتحان رقماً في شهادة أو اجتيازاً لمقرر، بل رضا الله أولاً، ثم رضا الناس «الذي لا يدرك»، وقدرتك على أن تعود إلى بيتك وأنت تشعر أنك قمت بما ينبغي، وكما يجب.
تصادم النظريات بواقع المؤسسات
كيف تفسر الفجوة بين ما يُدرس في الإعلام والاتصال، وما يواجهه الممارسون فعلياً داخل المؤسسات؟
ليست الفجوة في المعرفة بحد ذاتها، بل في السياق الذي تستخدم فيه، ما يُدرس غالباً يقدم في بيئة مثالية وقت متاح، وصلاحيات واضحة، وقرارات عقلانية، وجمل نظرية بائتة؛ بينما تحكم الواقع المؤسسي اعتبارات أخرى أكثر تعقيداً، مثل ضغط الزمن، والتسلسل الإداري، والخوف من الخطأ.
إن المشكلة حقيقةً ليست في المقررات، إنما في غياب الجسر الذي ينقلها من برودة النظرية إلى حرارة الممارسة اليومية، وهذا ما حاول الكتاب أن يقدمه جسراً معرفياً بسيطاً بين ما نعرفه نظرياً وما نواجهه عملياً، دون ادعاء أو وصفات جاهزة تأتي من غرب العالم المعرفي، لتتحول إلى تنظيرات تباع في كتب: كيف تصبح مديراً في ثلاثة أيام؟
تحوّل الاجتماعات إلى تعطيل
توقفتم عند ثقافة الاجتماعات الطويلة، متى تتحول الاجتماعات من أداة تنظيم إلى عبء يستهلك الوقت دون أثر؟
تتحول الاجتماعات إلى عبء حين تصبح غاية بحد ذاتها، لا وسيلة للتنفيذ، وتكمن المشكلة اليوم في أن كثيراً من المدراء والمسؤولين أصبحوا خبراء في حضور الاجتماعات، لا في التفكير قبلها ولا في التنفيذ بعدها، اجتماع للتخطيط، يليه اجتماع لمخرجات اجتماع التخطيط السابق، ثم اجتماع لمتابعة ما نوقش في الاجتماع الذي قبله، وهكذا في دائرة مغلقة تفتقد إلى التنفيذ.
ومع الوقت، يصبح الذهاب إلى الاجتماع أسهل من الإنجاز نفسه، ويتحول الحضور بديلاً عن التنفيذ، لذلك أصبحت جملة «في اجتماع» أحد أكثر أعذار الارتباطات شيوعاً وقبولاً، حتى لو كان الأمر مجرد دردشة على كوب قهوة في مقهى قريب من العمل، وأحياناً يقاس الإنجاز بسؤال ساخر: ما الذي أنجزته اليوم؟ الجواب: حضرت خمس اجتماعات، وأنا منهك جداً.
الاجتماع المفيد هو ذلك الذي يختصر الطريق، ويضع الإرشادات، ويوزع المسؤوليات، ويقود إلى فعل واضح، أما حين يغيب الأثر، ويمتد مدى التنفيذ، يتحول الاجتماع إلى تعطيلٍ مقنّع للعمل.
تُقتل الأفكار بعبارة خارج اللائحة
عبارة «خارج اللائحة» تتكرر في بيئات العمل، ل ماذا ترونها من أكثر العبارات إعاقة للمبادرة والابتكار؟
لأنها تُستخدم في كثير من الأحيان كجدار صد نفسي قبل أن تكون إجراءً تنظيمياً، لقد وجدت اللوائح لضبط العمل لا لإيقافه، ولتنظيم المبادرات لا لإلغائها؛ وحين تتحول «خارج اللائحة» إلى رد تلقائي على أي فكرة جديدة، أو مبادرة مبتكرة، فهي لا تحمي النظام، بل تحمي الجمود، وتدفع الأفراد إلى الالتزام بظل الحائط، بدل المبادرة وقطع الشارع نحو ضفاف الإبداع.
22 قاعدة بلا ترتيب هرمي
يقدم الكتاب 22 قاعدة مستخلصة من التجربة، ما القاعدة التي ترونها الأكثر مساساً بجوهر الخلل في العمل الإعلامي اليوم؟
من الصعب اختيار قاعدة واحدة بوصفها الأهم؛ لأن أهمية كل قاعدة تتغير بحسب الشخص، والمرحلة، واللحظة التي يعيشها، فما يكون جوهرياً اليوم قد يتراجع غداً، والعكس صحيح، ولم يكتب الكتاب ليقدّم ترتيباً هرمياً للقواعد، إنما ليكون أقرب إلى صندوق أدوات مهني، يفتح القارئ منه ما يحتاجه في وقته، وربما يعود لاحقاً ليكتشف أن قاعدة أخرى أصبحت أكثر إلحاحاً.
الأثر قبل عدد الساعات
كيف يعيد الكتاب تعريف مفهوم الإنتاجية بعيداً عن كثافة الجهد والانشغال الشكلي؟
الإنتاجية، كما يطرحها الكتاب، لا تقاس بعدد الساعات ولا بحجم الانشغال، بل بوضوح الأثر، قد ينجز فريق عملاً مؤثراً بجهد أقل إذا كان القرار واضحاً والمسار مختصراً، وقد يقوم موظف مع إمكانات وتمكين وتشجيع صائب، بما تعجز عنه قبيلة من الموظفين الكامنين في مكاتبهم على هواتفهم بانتظار رسالة الراتب، أو تحديد جنس مولود المشهورة القادم؛ في المقابل قد يضيع جهد كبير دون نتيجة بسبب التردد أو سوء التنسيق، أو قلة التشجيع وتمكين الكفاءات.
الاستماع نقطة البداية
تؤكدون أن الرسالة تُبنى بالاستماع وفهم الناس قبل السعي للتأثير، كيف يمكن للمؤسسات أن تستعيد هذه القيمة؟
باستعادة عادة الاستماع الحقيقي، لا الاستماع الشكلي كثير من المؤسسات تُنتج رسائلها قبل أن تفهم جمهورها، وتفترض احتياجات الناس بدل أن تصغي إليها، ولذا قال عليّ كرّم الله وجهه: «وتعلَّم حُسْنَ الاستماع كما تتعلم حُسْنَ الكلام، ولا تقطع على أحدٍ حديثَه». ولهذا حين يصبح الفهم أولوية، تتغير لغة الخطاب تلقائياً، ويصبح التأثير نتيجة طبيعية لا هدفاً متكلفاً.
ثقافة الخوف
يناقش الكتاب الخوف من اتخاذ القرار، برأيكم هل هو سلوك فردي أم نتيجة بنية مؤسسية وثقافة إدارية سائدة؟
الخوف من اتخاذ القرار نادراً ما يكون سلوكاً فردياً معزولاً؛ لأنه في جوهره نتاج مباشر لبنية مؤسسية وثقافة إدارية تعيد تعريف المخاطرة كتهديد لا فرصة، فالفرد لا يولد متردداً، على العكس يتعلم التردد حين يلاحظ أن العقاب أسرع من التقدير، والمساءلة أشد من الدعم، والخطأ يختزل إلى فشل لا إلى معرفة. ففي البيئات التي تُدار بمنطق تجنب اللوم لا تحقيق الأثر، يتحول الامتناع عن القرار إلى مهارة بقاء ومع الزمن، لا يعود الخوف استثناءً، بل يصبح سلوكاً عقلانياً فمن لا يقرر لا يحاسب، ومن ينتظر لا يلام، ومن يلتزم الصمت يوصف بالحكمة.
ومن هنا تتشكّل ثقافة إدارية تنتج قرارات مؤجلة، ومسؤوليات موزعة حتى التلاشي، وقيادات تنفيذية تجيد إدارة الاجتماعات التأجيلية أكثر من إدارة اللحظة التنفيذية، فيغدو القرار مقتولاً بفعل الجبن الفردي، الذي عززه الاختناق بفعل نظام لا يمنح مساحة أمان للتجربة ولا يفرّق بين الخطأ الآتي من عجلة المسير، والتقصير الناتج عن حسّ التأجيل.
الحوار اليومي يقود للتأليف
الكتاب كُتب بثلاثة مؤلفين، ما التحديات التي واجهتكم في تجربة التأليف المشترك؟ وكيف حافظتم على صوت واحد دون فقدان تنوع الرؤى؟
في الحقيقة، ما سهل تجربة التأليف المشترك أننا لم نبدأ من فراغ أو مجرد مقرّر؛ لقد كان بيننا تراكم مهني وعملي طويل، وحوار يومي سبق فكرة الكتاب نفسها، لذلك لم يكن التحدي في توحيد الأفكار بقدر ما كان في ضبط النبرة، والاتفاق على روح الكتاب: كتاب تجربة لا تنظير، وأسئلة مرتبكة لا وصفات جاهزة، عملنا جميعاً ضمن إدارة واحدة، في قسم الإعلام والعلاقات العامة والتواصل المؤسسي في وزارة الإسكان آنذاك، قبل أن تتحول لاحقاً إلى وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، وكان يشرف علينا الزميل الأستاذ عصام - ولذلك تجدين اسمه ببداية الكتاب، حيث لا زال يحتفظ بسلطة الإدارة علينا رغم تفرقنا في القطاعات والإدارات- وعلى مدى سنوات، كنا نتحاور بشكل شبه يومي حول كيفية التعامل مع الإعلام، والعملاء، والناس، والأزمات، وخصوصاً في ملف يعد شديد الحساسية بالنسبة للمواطن، كملف الإسكان.
وقد عشنا هذه التجربة عملياً من خلال مؤتمر صحفي شهري منتظم للوزارة استمر لسنوات، تناول مستجدات قطاع الإسكان وما يرتبط به من قضايا تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. هذا الاحتكاك المستمر بالإعلام، وبأسئلة الناس، وبحساسية الملف، خلق أرضية مشتركة في التفكير والرؤية، ومن هذا التراكم اليومي للنقاش والعمل، خرجت الأفكار متقاربة بطبيعتها، لذلك جاء صوت الكتاب واحداً دون تكلف، لأنه في جوهره امتداد لحوار مهني طويل سبق الكتاب بسنوات.
الأثر الذي يبقى
بعد إغلاق الصفحة الأخيرة، ما السؤال الذي تتمنون أن يبقى في ذهن القارئ وهو يعود إلى بيئة عمله؟
أخبرني قارئ مهم -يمكن القول قارئ نهم (على حد تعبير روبرت غوتلب في مذكراته «Avid Reader»)- أنه وضع نسخة من الكتاب على مكتبه في قسم التواصل الداخلي بإحدى الجهات، ليكون دليلاً إجرائياً يعود إليه في عمله اليومي، أظن أن هذه اللحظة تختصر مرادنا من القارئ؛ وهو ألا يكتفي بقراءة الكتاب، بل أن يضعه إلى جانبه وهو يعمل.
ويكفينا من كل هذا أن نكون قد أنرنا الطريق لشخص واحد، أو أمسكنا بيد أحدهم وهو يحاول أن يؤدي عمله بكثيرٍ من الصدق والقليل من الارتباك.
يكشف هذا الحوار أن «ما لا يُقال في المقررات» هو ما نحتاج لسماعه، والذي يعيد طرح أسئلة العمل الإعلامي بعيداً عن القوالب الجاهزة، ويمنح القارئ أدوات تفكير قبل أن يمنحه إجابات.