يكتب حامد الشريف الجريمة ليس فقط بوصفها لحظة انفجار درامي، ولا باعتبارها لغزًا ذهنيًا يُنتظر من المحقق أو القارئ أن يحلّه، بل بوصفها نتيجة حتمية لتراكم طويل من القهر الاجتماعي، والنبذ الأخلاقي، والصمت الجمعي، بحيث تبدو الجريمة في رواياته وكأنها حدث متأخر دائمًا، يصل بعد أن تكون قد وقعت فعليًا في الوعي الجمعي، وقبل أن تقع جسديًا في الواقع، وهو ما يجعل السؤال البوليسي التقليدي: (من القاتل؟) سؤالًا ناقصًا، بل مضلل، لأن القاتل في هذا التصور ليس فردًا بعينه، وإنما شبكة علاقات، ونظام قيم، ومجتمع يملك القدرة على دفع أفراده إلى حافة الهلاك ثم التفرج عليهم وهم يسقطون.
وفي (قلوب قاتلة) على وجه الخصوص، يذهب الشريف بعيدًا في تفكيك مفهوم الجريمة ذاته، حين يتعمّد نزع الفعل الإجرامي المباشر من السرد، فلا سكين، ولا رصاصة، ولا لحظة قتل مكتملة الأركان، بل صحراء مفتوحة، وجوع، وعطش، وقيود، وسقوط عرضي، وهي جميعها وقائع يمكن تفسيرها قانونيًا بوصفها أقدارًا أو حوادث، لكنها في منطق الرواية تتحول إلى أدوات قتل ناعمة، لا تترك أثرًا جنائيًا، لكنها تترك جرحًا أخلاقيًا عميقًا، يكشف كيف يمكن للمجتمع أن يقتل دون أن يلوث يديه بالدم.
تتجلى خصوصية تناول الشريف للجريمة في أنه لا يمنح القارئ متعة الحل، ولا راحة اليقين، بل يصرّ على إبقائه داخل منطقة الالتباس، حيث تتداخل المسؤوليات، وتضيع الحدود بين الجاني والضحية، ويتحول المنبوذ اجتماعيًا -مثل صالح الشرومة- إلى كائن فقد مسبقًا حقه في العدالة، لأن المجتمع قد أصدر حكمه عليه قبل موته بوقت طويل، فكان موته، في الوعي الجمعي، مجرد تصديق نهائي لحكم سابق.
أما نقد المجتمع في رواية (قلوب قاتلة) فهو نقد غير خطابي، لا يصدر في شكل مواعظ أو تصريحات مباشرة، بل يتسلل عبر التفاصيل اليومية الصغيرة: جلسات المركاز، همسات القهوة، الأعراس، حفلات الزار، الضحك، التندر، والاحتفال بالخلاص، وهي كلها لحظات تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تكشف في تراكمها كيف تُنتج الجماعة نظامًا أخلاقيًا قاسيًا، يعاقب المختلف، ويتسامح مع العنف متى جاء متخفّيًا في صورة قدر أو مصادفة.
عند مقارنة هذا المنظور بما يقدمه الشريف في رواياته الأخرى، وبخاصة (مقتل دمية)، يتضح أن الكاتب يعمل ضمن مشروع سردي واحد، يتبدل فيه الشكل وتظل الفكرة المركزية ثابتة؛ ففي (مقتل دمية) تميل الجريمة إلى الطابع الرمزي، وتغدو الضحية أقرب إلى كيان مجرد، يمثل البراءة أو الهشاشة أو الكذب الجمعي، بينما في (قلوب قاتلة) تصبح الجريمة أكثر التصاقًا بالواقع الاجتماعي، وأكثر ارتباطًا بالبنية الطبقية والعلاقات اليومية، وكأن الكاتب ينتقل من مساءلة الفكرة إلى مساءلة المجتمع نفسه.
أسلوبيًا، يتسم خطاب الشريف في العملين بنزوع واضح إلى الاقتصاد اللغوي، والابتعاد عن البلاغة الزائدة، والاعتماد على الحوار والمشهد اليومي، غير أن (قلوب قاتلة) تكشف نضجًا أكبر في توظيف هذا الأسلوب، حيث تتحول اللغة البسيطة إلى أداة تفكيك حادة، وتصبح الجملة العادية حاملة لثقل دلالي مضاعف، ليس بمعنى أنها تقول أكثر، بل لأنها تقول أقل مما ينبغي، وتترك للقارئ عبء ملء الفراغات.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة (قلوب قاتلة) بوصفها رواية بوليسية مكتملة الأركان بقدر ما هي رواية عن فشل العدالة حين تصطدم بثقافة راسخة، وعن هشاشة القانون أمام منظومة قيم غير مكتوبة، وعن الجريمة حين تفقد ملامحها الفردية وتذوب في جسد المجتمع، وهو ما يجعل تجربة حامد الشريف الروائية، في مجملها، مشروعًا نقديًا متماسكًا، يستخدم الجريمة كمرآة، لا تستهدف كشف قاتلٍ ما، بل ليكشف الوجه الخفي للجماعة، مؤكدًا أن الجريمة الحقيقية ليست ما يقيم القانون حوله صخبًا، بل ما يتركه الصمت الجمعي من ندوب أخلاقية في الروح البشرية والمجتمع ككل.
أولًا: المدخل العام - عن الرواية وسياقها
تأتي رواية قلوب قاتلة ضمن مسار واضح في تجربة الكاتب السعودي حامد الشريف يتمثل في توظيف القالب البوليسي بوصفه أداة لكشف البنية الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع المحلي. فالرواية، وإن بدت للوهلة الأولى بوليسية تقليدية تقوم على جريمة واختفاء وتحقيق رسمي، إلا أنها سرعان ما تنحرف عن النموذج الكلاسيكي الذي يقود إلى حقيقة واحدة ويقين نهائي، لتؤسس عالمًا سرديًا قوامه الشك، وتعدد الروايات، وتواطؤ الصمت الجماعي.
تدور أحداث الرواية في مدينة ينبع، منتصف القرن العشرين كما تشير الدلائل المكانية والوصفية التي قدمها الكاتب. حيث إنه لم يصرح بزمان محدد. وهنا تكمن إحدى مواصفات براعته السردية، حيث يستطيع أن يشير إلى الزمان والمعنى دون أن يصرح به، ليعطي للقارئ الذكي الفرصة للفهم والتحليل. وقد قدمها للقارئ بوصفها فضاءً اجتماعيًا مغلقًا، له قوانينه غير المكتوبة، وآلياته الخاصة في الإدانة والتبرئة. ومنذ الفصل الأول، مع اختفاء صالح محمد سعيد الشرومة، تدخل الرواية في منطقة رمادية:
هل نحن أمام جريمة قتل؟ أم أمام مجتمع قرر أن يتخلّص من عبء أخلاقي اسمه «صالح»؟
ثانيًا: البناء السردي وتقسيم الفصول
تعتمد الرواية بنية سردية خطية ظاهرًا، تتقدم عبر فصول قصيرة إلى متوسطة نسبيًا، عشرون فصلاً بالتحديد، كل فصل يضيف خيطًا جديدًا إلى شبكة التحقيق دون أن يحسمه. غير أن هذا التقدّم الخطي يخفي تحته حركة دائرية؛ إذ يعود السرد مرارًا إلى النقاط نفسها: الضحية، المجتمع، النساء، الشائعات، والماضي.
1 - افتتاح بوليسي تقليدي.. ونهاية مغايرة
يبدأ السرد باختفاء صالح، ثم العثور على جثته في منطقة رملية قرب رابغ، في مشهد يكاد يكون كلاسيكيًا في الرواية البوليسية. حضور الضابط أسعد، فتح الملف، جمع التحريات، كلها عناصر مألوفة.
لكن الجديد أن الرواية تفرغ الجريمة من لحظة القتل نفسها؛ فلا شاهد، ولا أداة قتل، ولا اعتراف مباشر.
2 - التحقيق بوصفه مسحًا اجتماعيًا
يتحوّل التحقيق تدريجيًا إلى رحلة داخل المجتمع:
• المركاز. القهوة. الأعراس. حفلات الزار. الأحاديث الهامشية. الحارات. المنازل المغلقة على ما بها من أسرار. والتي تطل من بين الستائر والنوافذ المغلقة دائماً.
كل فصل لا يقرّب الضابط من «القاتل»، بقدر ما يكشف له منطق الجماعة، ونظرتها إلى الذنب، والعار، والاستحقاق الأخلاقي للموت.
3 - تعدد الخيوط.. وتعمّد الإرباك
تتوزع الشبهات على:
• خليل اليمني. سطام. صويلح العكة. مريم. حتى الضحية نفسه.
هذا التعدد لا يُحسم، بل يتراكم حتى النهاية، حيث تتكشّف اعترافات، ثم تُسحب، وتُستبدل بتفسيرات قدرية، أو أخلاقية، أو اجتماعية، دون إغلاق نهائي للقضية. ويبدو الجميع متهماً وبريئاً في نفس الوقت.
ثالثًا: المكان – ينبع بوصفها شريكًا في الجريمة
تُقدَّم ينبع في الرواية بوصفها مدينة غامضة رغم أن الجميع يعرف الجميع والعلاقات مفتوحة ومباشرة، لكن مع براعة السرد نكتشف أنها تميل أكثر إلى كونها جماعة مغلقة.
الأحياء المختلفة مثل (حلة الصعايدة، حي الصور)، الأسواق، القهوة، خلف النوافذ، كلها أماكن مراقبة، يعرف فيها الجميع الجميع، ويُنتج فيها الكلام أثرًا أخطر من الفعل.
الصحراء، التي يموت فيها صالح، ليست مجرد فضاء طبيعي، بل أداة قتل «نظيفة»، بلا فاعل مباشر، تسمح للمجتمع أن يغسل يديه من الدم.
رابعًا: أهم الشخصيات – الضحية غير البريئة والمجتمع القاتل
1 - صالح الشرومة: الضحية التي لا يُرثى لها
تُقدَّم شخصية صالح منذ البداية بوصفها شخصية منبوذة:
• سيئ السيرة. مدمن خمر. قبيح الوجه غريب الجسد. مرفوض اجتماعيًا وزواجيًا.
وبذلك تهيئ الرواية القارئ لفكرة خطيرة:
أن بعض الموتى حتى لو تم قتلهم لا يستحقون العدالة في نظر المجتمع.
2 - الضابط أسعد: العقل المحدود أمام شبكة الصمت
أسعد ليس محققًا عبقريًا على الطريقة الكلاسيكية، بل رجل نظام يصطدم بحدود العقل القانوني حين يواجه ثقافة الصمت والتأويل الشعبي. ويحاول على طول الرواية تفكيك الألغاز وتحليل المعلومات التي يتحصل عليها بصعوبة بالغة وسط مجتمع يجيد الصمت رغم أنه يرى كل شيء بوضوح.
3 - النساء: مركز الشبهة والذنب
تتكرر في الرواية صورة المرأة بوصفها:
• سبب الفتنة. مصدر السحر. محرك الرغبات الخفية.
مريم، فوزية، صباح، كلهن يدخلن دائرة الاتهام، ليس بناءً على أدلة، بل بناءً على تصورات ثقافية جاهزة. وهو ما تسعى الرواية لانتقاده وهدم مفهومه، فلا يمكن أبداً أن تكون المرأة طوال الوقت شماعة يضع المخطئون والمذنبون والمنحرفون كل سوءاتهم عليها.
خامسًا: الجريمة بلا قاتل – تفكيك مفهوم الفعل الجنائي
من أبرز ما يميز قلوب قاتلة أن الرواية لا تمنح القارئ لحظة قتل مكتملة الأركان، ولا تُنتج قاتلًا واضحًا يمكن تثبيت الجريمة عليه قانونيًا أو أخلاقيًا. نحن أمام ثلاث نهايات مأساوية لثلاثة إخوة (صالح – صباح – فرهود)، لكن كل نهاية تُقدَّم بوصفها نتيجة سلسلة من الأفعال غير المباشرة:
• صالح: يضيع في الصحراء ويموت عطشًا.
• صباح: تُقيَّد، تُفضَح، تُحاصَر، ثم تموت امتناعًا عن الطعام.
• فرهود: يسقط في الماء ويغرق.
هذه الوقائع، في منطق القانون، لا تشكل قتلًا مباشرًا، لكنها في منطق الرواية تُنتج سؤالًا أخطر:
من الذي دفعهم إلى هذه النهايات؟
الرواية هنا لا تبحث عن اليد التي ضغطت الزناد، بل عن المنظومة التي دفعت الجميع إلى حافة الموت. وهنا يتحول المجتمع كله إلى فاعل جنائي جماعي، دون أن يتحمل أحد مسؤولية كاملة.
سادسًا: المجتمع بوصفه الجاني الخفي
1 - ثقافة النبذ والتخلّص
منذ البداية، يُقدَّم صالح بوصفه عبئًا:
• مكروه. غير مرغوب فيه. وجوده يهدد التوازن الأخلاقي الظاهري للجماعة.
موته لا يُقابَل بالحزن، بل بالارتياح. هذه الراحة الجماعية تمثل، في منطق الرواية، أقسى أشكال الإدانة.
2 - الصمت كشكل من أشكال العنف
الصمت المتكرر:
• (ينبع ارتاحت ولا تريد الحديث). تردد العبارات الغامضة. الإحالات إلى الزار والسحر بدل الوقائع.
كل ذلك يشكل شبكة حماية غير معلنة تمنع الوصول إلى الحقيقة. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة في الجريمة.
3 - الاحتفال بالخلاص
المشهد الختامي، حيث تحتفل القرية بخروج صويلح، بينما يختفي الآخرون الذين ارتبطوا مباشرة بالضحايا والنقد الجمعي (مريم، أبو صالح، خليل)، يعمّق المفارقة:
المجتمع لا يبحث عن العدالة، بل عن استعادة التوازن الشكلي.
سابعًا: صورة المرأة بين الاتهام والرغبة
تعكس الرواية تمثيلًا مركزيًا للمرأة بوصفها موضع شك دائم:
فوزية: الاعتقال والربط بينها وبين اللغز
صباح: الضحية التي تتحول إلى مصدر فضيحة.
مريم: المتهمة الرئيسية (السحر - الإغواء - التخطيط).
اللافت أن مريم، رغم الاعترافات والاتهامات، تخرج دون إدانة قاطعة، وتختفي. هذا الاختفاء لا يبرئها بقدر ما يكرّس فكرة أن المرأة في هذا العالم السردي لا تُدان ولا تُبرّأ؛ بل تظل منطقة رمادية تُحمَّل كل الذنوب الممكنة.
الرواية لا تدافع صراحة عن المرأة، لكنها تكشف آلية تحميلها عبء الخطيئة الجماعية، خاصة حين يتعلق الأمر بالرغبة والعلاقات السرية.
ثامنًا: اللغة والأسلوب السردي
1 - اللغة
تعتمد الرواية لغة سردية واضحة، مباشرة، تميل إلى:
• الحوار القصير. الجمل الوصفية المرتبطة بالحياة اليومية. إدماج المفردات المحلية دون إفراط لغوي.
لغة بلاغية سردية ذات خصوصية.
2 - السرد
السرد أقرب إلى:
• تقرير بوليسي ممتد. يتخلله حكي شفاهي. ومقاطع أشبه بالشهادات الشعبية.
لا نجد استبطانًا نفسيًا عميقًا، بل مراقبة خارجية للشخصيات، وهو اختيار يخدم فكرة أن الحقيقة غير قابلة للامتلاك الفردي.
تاسعًا: الخاتمة النقدية – حامد الشريف بين قلوب قاتلة ومقتل دمية
عند مقارنة قلوب قاتلة برواية مقتل دمية، نلاحظ ثوابت أسلوبية واضحة في مشروع حامد الشريف:
1 - ثوابت مشتركة
• الجريمة بوصفها مدخلًا لا غاية. الغموض الأخلاقي بدل الحل القاطع. التركيز على البيئة المحلية المغلقة. شخصيات لا تُدان ولا تُبرّأ بشكل نهائي.
2 - الفارق بين العملين
• في مقتل دمية، تميل الجريمة إلى الرمز، والضحية إلى التجريد.
• أما في قلوب قاتلة، فالضحية اجتماعية بامتياز، والجريمة يومية، عادية، كأنها جزء من نسيج الحياة.
3 - تطور الأسلوب
يبدو أن الشريف في قلوب قاتلة أكثر ميلًا إلى:
• تفكيك المجتمع بكل عناصره وليس الفرد فقط. مساءلة الثقافة الجمعية وليس الحدث الفردي.
ترك القارئ في حالة قلق أخلاقي بدل إشباع فضوله البوليسي.
خلاصة نهائية
قلوب قاتلة ليست رواية تبحث عن قاتل، بل رواية تسأل: كيف يمكن لمجتمع كامل أن يكون بريئًا وقاتلًا في الوقت نفسه؟
وبهذا تضع نفسها ضمن نمط الرواية البوليسية الاجتماعية، التي لا تنتهي بإغلاق الملف، بل بفتح أسئلة لا تنتهي.
خاتمة
ركزنا في هذه الرؤية النقدية على ثلاثة أبعاد محورية:
البنية السردية، الشخصيات، والبعد الاجتماعي والأخلاقي للجريمة، لتبيان كيف تحول حامد الشريف الجريمة من حدث فردي إلى انعكاس مباشر للواقع الاجتماعي المحلي، وكيف يجعل الرواية فضاءً لاكتشاف الازدواجية الأخلاقية للمجتمع الذي يراقب ولا يتدخل، ويحاكم قبل وقوع الحدث ويبرر بعده.
على المستوى البنيوي، تتبع الرواية أسلوبًا مزدوجًا يجمع بين خط السرد البوليسي التقليدي، حيث يبدأ بالاختفاء والتحقيق، وبين التوسع في التفاصيل اليومية للحياة في ينبع، وهي كلها أدوات لتكثيف التوتر وتحريك الأحداث الثانوية التي تكشف الخفاء الاجتماعي.
هذا البناء المتشابك يؤخر الوصول إلى الحقيقة، ويجعل القارئ يعيش حالة مستمرة من الشك والارتباك، ما يعكس فلسفة الكاتب في التعامل مع الجريمة ليس كحقيقة مفردة، بل كنتاج لتراكم الأخطاء، الصمت، والنبذ الاجتماعي.
على صعيد الشخصيات، يتضح أن الكاتب لا يركز على القاتل الفردي بقدر تركيزه على الشخصيات بوصفها ممثلين لوظائف اجتماعية محددة: الضابط أسعد يمثل العقل القانوني والمراقب، بينما الشخصيات النسائية تمثل القوة الخفية للرغبة والتأثير الاجتماعي والتمرد على القيود المجتمعية، والأخلاق المشتركة. أما الشخصيات الذكورية الأخرى، فهي تقدم نماذج للصراع بين الفرد والمجتمع، بين القوة والضعف، بين المسؤولية الفردية والنبذ الجماعي، ما يخلق شبكة معقدة من العلاقات تتجاوز مجرد كشف الجريمة.
الأهم في الرواية هو البعد الأخلاقي والاجتماعي للجريمة: غياب القاتل المباشر وتحويل الموت أو الاختفاء إلى حدث طبيعي أو نتيجة قدرية، يجعل المجتمع ذاته هو الفاعل الخفي، بحيث يظهر الذنب الجماعي، والتواطؤ، والصمت المشترك كأدوات إنتاج الجريمة.
الرواية بهذا الشكل تقدم نقدًا عميقًا للمجتمع، وتطرح تساؤلات حول العدالة، والقيم، والمسؤولية الأخلاقية: هل يمكن لمجتمع أن يكون بريئًا وهو يشاهد الانحراف والظلم ويصمت؟ هل العدالة ممكنة حين يقرر المجتمع مسبقًا من يستحق الموت ومن يُسلم له الغفران؟.
وعند مقارنة هذا الأسلوب بما يقدمه حامد الشريف في أعماله الأخرى، وبالأخص «مقتل دمية»، نلاحظ أن الكاتب يحافظ على ثوابت فنية وفكرية: الجريمة وسيلة لفحص المجتمع، والحبكة لا تهدف إلى كشف القاتل بل إلى تحليل الظروف الاجتماعية والنفسية، والشخصيات تمثل أبعادًا رمزية أو وظيفية أكثر من كونها مجرد أدوات للسرد البوليسي. لكن الفارق الرئيسي بين الروايتين يكمن في درجة التصاق الجريمة بالواقع: ففي مقتل دمية تميل الجريمة إلى الرمزية والتجريد، والضحية تبدو ككيان تمثيلي يحمل معنى براءة أو هشاشة اجتماعية، بينما في قلوب قاتلة تصبح الجريمة مرتبطة بشكل وثيق بالبنية الاجتماعية اليومية، بالصراعات العائلية، بالطبقات الاجتماعية، وبعادات المجتمع وتقاليده، وهو ما يجعل الرواية أكثر شمولية في مساءلة الجماعة وليس الفرد فقط.
الآن.. في نهاية هذا العرض التحليلي، هل يمكن أن تعيد قراءة عنوان الرواية (قلوب قاتلة) بمفهوم شامل يغطي كل عناصر الفكرة الروائية؟.
مقارنة مع أعمال أدبية
على المستوى العربي، يمكن موازاة قلوب قاتلة مع أعمال مثل روايات يوسف زيدان أو حنان الشيخ التي تستخدم المجتمع كثيمة مركزية، حيث تكون الجريمة أو الحدث مجرد أداة لفضح التوترات الاجتماعية والنفسية، وليس لغزًا محصورًا في أحداث محددة. كما يمكن الإشارة إلى بعض أعمال إبراهيم الكوني التي توظف البيئة الصحراوية بوصفها فضاءً أخلاقيًا واجتماعيًا متكاملًا، يضغط على الشخصيات ويجبرها على اتخاذ مواقف أخلاقية أو يفضح صمتها.
أما على المستوى العالمي، فإن قلوب قاتلة تشترك جزئيًا مع أعمال مثل روايات أجاثا كريستي الحديثة التي تعتمد المكان المغلق والجريمة الغامضة، لكنها تتجاوز حدود اللغز البوليسي إلى التفكيك النفسي والاجتماعي للمجتمع، كما في أعمال باتريك موديانو أو دان براون، حيث الغموض لا يقتصر على حل الجريمة بل يتعداه إلى استكشاف ذاكرة المجتمع، شبكة العلاقات، وتأثير الماضي على الحاضر. الفرق الكبير يكمن في أن الشريف يجعل الجريمة مرآة أخلاقية قبل أن تكون لغزًا، ويمنح المجتمع الدور المركزي كفاعل متواطئ، وهو أمر يميزه عن التقليد البوليسي الكلاسيكي الذي يركز على الفرد وحده.
باختصار، قلوب قاتلة ليست رواية تبحث عن القاتل، بل عن الآليات الأخلاقية والاجتماعية التي تجعل الجريمة ممكنة في مجتمع متراكم بالنبذ، الصمت، والتحيز، وهي بذلك تقدم تجربة سردية فريدة في الأدب البوليسي العربي، تتجاوز حدود اللغز التقليدي لتصبح دراسة عميقة للمجتمع، الإنسان، والعدالة، مع تعزيز خصوصية أسلوب حامد الشريف الذي يوازن بين الواقعية الاجتماعية والغموض النفسي في آن واحد.
** **
- د. إيهاب بديوي