يخبرنا (تودروف) في كتابه «الأدب في خطر» بأننا نقع في ورطة حين نحاول أن نبحث عن معاني الأدب وأخلاقه في حياتنا الواقعية فلا نجد إلا سرابًا، وإن الذين خرجوا يرتدون أزياء أدبية بألسنة غريبة لا تشبه شعورنا، إنما كانوا يفتشون عن مكانة يرفعون بها نقصهم الاجتماعي ويضيفون لأنفسهم قيمة الرفاهية لا أكثر، نعم يظن بعضهم أن الأدب رفاهية لا يؤخذ إلا بما في الجيب، وهنا تكمن خطورة هذا المبدأ الذي بدأ يتفشى -وبخاصة في مجتمع النساء- أن الأدب لا يعدو كونه مجرد مظهرٍ خارجيٍ يؤدي وظيفة الشهرة لا أكثر!.
وما مرّ وقت طويل حتى زجّ بعض الذين كانوا يكتبون في فكرة تطوير الذات ونموها بأفكارهم الواهنة إلى أزقة الأدب حاملين معهم كاميرات التصوير، وخُيّل إليهم أن الأدب مصدرٌ للثراء، وإعلانٌ حيٌّ للكتب البائسة التي اختلطت بالكتب الأصلية، التي نقلوا ترجمتها ونسبوها لأنفسهم دون مراعاة لنزاهة الكتابة، حتى لقد رأيت كتابًا كانت أكثر سطوره مسروقة من كتابات الصحف دون إشارة، وكانت الاقتباسات هي أجود ما في الكتاب، فأين الكاتب إذن؟ ولمن المكتوب؟.
حِرْتُ في هذا الأمر ولم تدم حيرتي كثيرًا؛ فالأدب لا يُجلس على عرشه إلا بعد جهد البلاء، والذين وصلوا للشهرة السريعة لا يملكون مفاتيح الريادة الأدبية بل يملكون الحضور المؤقت فقط، أما الخلود فهو للنصوص العبقرية الجادة وليس من نصيب أولئك الذين جهزوا جلسات التصوير الفخمة، وزورا الابتسامة، وعبثوا بالمصطلحات، ليحولوا أنفسهم من العتمة الأولى إلى العتمة الأشد قتامة.
نعود إلى (تودروف) الذي سأل نفسه: لماذا أحب الأدب؟ «فإن الجواب الذي يأتيني مباشرة إلى الذهن هو: لأنه يساعدني على العيش»، وحين يكون الأدب وسيلة إنقاذ فإنه يبتعد كثيرًا عن معنى الرفاهية، والغلو الاجتماعي، وتقمص صوت الشعور الكاذب، حتى لقد شيبوا رؤوسنا برمزية معقدة لا يتضح فيها سوى تراكيب جوفاء لا تحرك فينا شعورًا ولا تؤثر في ذائقة، وأنا أهرب من كلمات جافة لا توقظ الضمير، ولا تثير قدرتي الكتابية على التعاطف والتعاطي معها، وحينما اتفقت (تودروف) أن يكون الأدب حبل نجاة سرت معه في معناه فالأدب -حقًا- في خطر.
** **
- نورة السحيمي