الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
تحوّل السهر عبر الزمن إلى ما يشبه «طقسًا ثقافيًا» يُنسب إلى الإبداع، ويُقدَّم بوصفه علامة على العمق الفكري والانشغال بالأسئلة الكبرى. غير أن هذا التصور، الذي كرّسته التجربة الأدبية أكثر مما دعمته المعرفة العلمية، بات اليوم موضع مراجعة جادة في ضوء أبحاث النوم والأعصاب الحديثة.
في هذا اللقاء مع بروفيسور أحمد بن سالم باهمام، أستاذ واستشاري طب النوم بكلية الطب والمدينة الطبية الجامعية بجامعة الملك سعود، الحاصل على جائزة الطبيب العربي لعام 2025، الممنوحة من مجلس وزراء الصحة العرب، وذلك عن الفرع الأول، «البحث العلمي والابتكار» «الثقافية» تفتح نقاشًا مع د.أحمد باهمام يتقاطع فيه العلم مع التراث، لنفكك العلاقة الملتبسة بين السهر والإبداع، ونقارب الفجوة بين الصورة الثقافية الموروثة، والحقائق البيولوجية التي تؤكد أن الحرمان من النوم يُضعف الأداء الذهني ولا يعزّزه.
ويمتد الحوار إلى قراءة نماذج من الشعر العربي القديم، من ليل امرئ القيس القَلِق، إلى حرص بعض الشعراء على أوقات السَّحَر في نظم القصائد و إعادة القراءة والنظر في صورة «المثقف الساهر» ليؤكد خلاصة علمية وثقافية واضحة: الإبداع لا يصنعه السهر، بل يصنعه النوم الكافي، والعمل في التوقيت الذي ينسجم مع إيقاع الجسد والعقل، حيث تتحول الفكرة من قلقٍ مُرهِق إلى معرفة مُنتجة.
المخيال الثقافي العربي
لماذا ارتبط السهر تاريخيًا في المخيال الثقافي العربي بالمثقف والمبدع، رغم أن العلم الحديث يربطه بتراجع الأداء الذهني؟
ارتبط السهر في الثقافة العربية بالمفكرين والمبدعين لأسباب تاريخية واجتماعية متعددة. فالليل كان يُنظر إليه كوقت للتأمل والهدوء بعيداً عن ضجيج النهار وانشغالاته، مما يوفر بيئة مناسبة للتفكير العميق والإبداع، وتطورت في المجتمعات العربية والإسلامية ثقافة ليلية غنية شملت النقاشات الأدبية والفلسفية في المجالس والمقاهي، مما عزز هذا الارتباط بين الليل والنشاط الفكري.
ما يقوله العلم الحديث
العلم الحديث يقدم صورة مختلفة تماماً عن تأثير الحرمان من النوم على الأداء العقلي. أظهرت الدراسات أن قلة النوم تؤثر سلباً على وظائف إدراكية متعددة، منها الانتباه والذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية. وتبين أن الأداء الإدراكي يتراجع بشكل ملحوظ بعد الحرمان من النوم، حيث وجدت الأبحاث أن السهر لمدة 20-25 ساعة يعادل في تأثيره السلبي على الأداء العقلي تأثير تعاطي الكحول بنسبة 0.10%. المدة المثلى للنوم التي تضمن أفضل أداء إدراكي، عند البالغين، هي 7-8 ساعات يومياً، وأي انحراف عن هذا المعدل يرتبط بتراجع في القدرات الذهنية.
فهم المفارقة
المفارقة تُفهم عندما ندرك أن هناك فرقاً بين النمط الزمني الحيوي للشخص وبين الحرمان من النوم. بعض الأشخاص لديهم ما يُسمى بالنمط المسائي، أي أنهم ينشطون في المساء والليل بشكل طبيعي دون أن يعني ذلك حرمانهم من النوم. الدراسات وجدت أن أصحاب النمط المسائي قد يكونون أكثر إبداعاً وانفتاحاً على الأفكار غير التقليدية، وأن أداءهم الإبداعي يكون في أفضل حالاته في المساء. لكن هذا لا يعني أنهم محرومون من النوم، بل ينامون في وقت متأخر ويستيقظون متأخرين، محافظين على مدة النوم الكافية.
الخلاصة العملية
الحقيقة العلمية واضحة: الحرمان من النوم يضر بالأداء الذهني والإبداعي بغض النظر عن الوقت الذي نعمل فيه. ما يهم ليس السهر أو النوم مبكراً، بل الحصول على القدر الكافي من النوم الجيد. المبدع الحقيقي هو من يفهم إيقاعه البيولوجي ويحترم حاجة جسمه للنوم، سواء كان من محبي الصباح أو المساء. الصورة الثقافية للمثقف الساهر ربما كانت تعكس واقعاً ا جتماعياً أكثر من كونها حقيقة علمية عن علاقة الإبداع بالسهر.
ثقافة السهر
هل يمكن القول: إن «ثقافة» السهر لدى المثقفين هي إرث اجتماعي أكثر منها ضرورة إبداعية؟
نعم، يمكن القول بثقة» إن ثقافة السهر لدى المثقفين هي إرث اجتماعي أكثر منها ضرورة إبداعية، والأدلة العلمية تدعم هذا الاستنتاج بقوة.
النوم كظاهرة اجتماعية
الدراسات الحديثة تؤكد أن النوم ليس مجرد عملية بيولوجية، بل هو ظاهرة اجتماعية تشكلها العوامل الثقافية والمعتقدات والممارسات المجتمعية. وجدت الأبحاث أن أنماط النوم تتأثر بشكل كبير بالقيم الثقافية والعادات والتقاليد، مثل مواعيد النوم والروتين المسائي وبيئة النوم. الثقافة تشكل أنماط النوم وجودته، والنوم في جوهره نشاط اجتماعي تحدده العلاقات الأسرية والمجتمعية.
الضغوط الاجتماعية والتوقعات الثقافية
التوقعات الاجتماعية والمعايير المجتمعية تلعب دوراً محورياً في تحديد مواعيد النوم والاستيقاظ. اللقاءات العائلية ومواعيد العمل والمناسبات المجتمعية تفرض إطاراً زمنياً يضطر الأفراد للتكيف معه، عندما تفرض المعايير الثقافية التواصل الاجتماعي الليلي أو بدايات عمل مبكرة جداً، يضطر الأفراد لتعديل نومهم وفقاً لذلك، حتى لو تعارض ذلك مع احتياجاتهم البيولوجية.
الهيمنة الثقافية وصورة المثقف الساهر
صورة المثقف الساهر تشكلت عبر التراكم الاجتماعي والتاريخي أكثر من كونها تعبيراً عن حقيقة علمية. هذه الصورة أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية لفئات معينة، وانتقلت عبر الأجيال كممارسة اجتماعية مقبولة. الحقيقة أن هيمنة معايير ثقافية معينة قد تؤدي لتهميش ممارسات نوم مختلفة، وتُقدَّم بعض الأنماط على أنها «مثالية» رغم أنها قد لا تناسب الجميع.
الإبداع لا يحتاج السهر
العلم يؤكد أن الإبداع لا يعتمد على السهر بل على التوافق بين الساعة البيولوجية والوقت الخارجي، الدراسات وجدت أن الإبداع يكون في أعلى مستوياته عندما يعمل الشخص في الوقت المناسب لإيقاعه البيولوجي، سواء كان صباحياً أو مسائياً. الشخص الصباحي يكون أكثر إبداعاً في الصباح، والمسائي في المساء، طالما حصل كل منهما على نوم كافٍ. بل إن بعض الأبحاث أشارت إلى أن الإبداع قد يكون أعلى في الأوقات «غير المثلى» من اليوم بسبب انخفاض التركيز المفرط الذي يسمح بمرونة فكرية أكبر، لكن هذا لا علاقة له بالحرمان من النوم.
الخلاصة
ثقافة السهر ارتبطت بالمثقفين لأسباب تاريخية واجتماعية، منها توفر الهدوء الليلي والحماية من الرقابة، وتطور تقاليد اجتماعية حول اللقاءات الفكرية الليلية. لكن العلم الحديث يثبت أن الإبداع الحقيقي لا يتطلب السهر أو الحرمان من النوم، بل يحتاج لنوم كافٍ وعمل في الوقت المناسب للإيقاع البيولوجي للفرد. ما نراه اليوم من ارتباط بين السهر والنشاط الفكري هو إرث ثقافي أكثر منه ضرورة فسيولوجية للإبداع.
الشعراء القدامى والسَّحَر
هل الإبداع لحظة ليلية فعلًا، أم أن الدماغ يكون أكثر كفاءة إبداعيًا في ساعات الصباح؟ ولا سيما إذا استحضرنا حرص عددٍ من الشعراء القدامى على زمن السَّحَر؟
الإجابة ليست بسيطة كما قد تبدو، والعلم يخبرنا أن الإبداع ليس حكراً على الليل أو الصباح، بل يعتمد على التوافق بين الساعة البيولوجية للشخص والوقت الذي يعمل فيه.
الإبداع والساعة البيولوجية
الدراسات الحديثة تؤكد أن الإبداع يتأثر بشكل كبير بالنمط الزمني للشخص، أي ما إذا كان صباحياً أم مسائياً. الأبحاث وجدت أن الشخص يكون في أفضل حالاته الإبداعية عندما يتوافق الوقت الخارجي مع ساعته البيولوجية الداخلية. أصحاب النمط الصباحي يكونون أكثر إبداعاً في الصباح، بينما أصحاب النمط المسائي يحققون ذروتهم الإبداعية في المساء والليل. دراسة شملت مجموعات عمل وجدت أن الذروة الإبداعية الجماعية تحدث حول منتصف النهار.
الأداء الإدراكي عبر اليوم
الأداء الإدراكي والذهني يتفاوت بشكل كبير على مدار اليوم حسب النمط الزمني للشخص، أصحاب النمط الصباحي يصلون لذروة أدائهم الإدراكي في الصباح الباكر، بينما أصحاب النمط المسائي قد لا يصلون لنصف كفاءتهم قبل الساعة التاسعة والنصف صباحاً، وتكون ذروتهم من الساعة الخامسة مساءً حتى التاسعة أو العاشرة مساءً. الأبحاث أظهرت أن الوظائف الإدراكية مثل الذاكرة العاملة والانتباه والتعلم الحركي تكون أفضل بكثير في الأوقات المفضلة بيولوجياً للشخص مقارنة بالأوقات غير المفضلة.
مفارقة الإبداع والأوقات غير المثلى
ثمة ملاحظة مثيرة في الأدبيات العلمية تتعلق بنوع مختلف من الإبداع، بعض الدراسات وجدت أن حل المشكلات الإبداعية التي تتطلب رؤية جديدة أو «قفزة إبداعية» قد تكون أسهل في الأوقات غير المثلى من اليوم. السبب أن الانتباه يكون أقل حدة، مما يسمح بمرونة إدراكية أكبر وربط أفكار غير مترابطة ظاهرياً. لكن هذا لا يعني الحرمان من النوم، بل مجرد العمل في وقت ليس هو الذروة المعتادة للتركيز.
دور النوم في الإبداع
النوم نفسه يلعب دوراً محورياً في العملية الإبداعية. أبحاث متعددة أثبتت أن النوم، خاصة مرحلة حركة العين السريعة، يسهم في حل المشكلات الإبداعية من خلال إعادة معالجة المعلومات وبناء روابط جديدة بين الأفكار. النوم يساعد على استخلاص القواعد الخفية واكتشاف الحلول غير المتوقعة عبر التفكير التماثلي.
الشعراء القدامى ووقت السحور
اختيار بعض الشعراء القدامى لوقت السحور لنظم القصائد يمكن فهمه من عدة منظورات. الأول أن هؤلاء الشعراء ربما كانوا من أصحاب النمط المسائي طبيعياً، فيكون أداؤهم الإبداعي في أفضل حالاته في ساعات الليل المتأخرة والفجر. الثاني أن الفجر يمثل فترة انتقالية بين النوم واليقظة، وقد تتميز بنوع من الوضوح الذهني والمرونة الإدراكية بعد النوم. الثالث أن الليل والفجر يتميزان بالهدوء والسكينة وغياب المشتتات والانشغالات اليومية، مما يوفر بيئة مثالية للتركيز العميق والتأمل الذي يحتاجه العمل الإبداعي. لكن المهم أن هؤلاء الشعراء لم يكونوا محرومين من النوم، بل كانوا ينامون في وقت مبكر من الليل ويستيقظون للسحور بعد نوم كافٍ. فالعامل الحاسم لم يكن السهر أو الحرمان من النوم، بل الجمع بين النوم الكافي والعمل في بيئة هادئة وفي وقت يتوافق مع إيقاعهم البيولوجي.
الخلاصة
الإبداع ليس لحظة ليلية بالضرورة، ولا هو حكر على الصباح. كل شخص له ساعته البيولوجية الخاصة، والإبداع يزدهر عندما يعمل الإنسان في التوقيت المناسب لطبيعته، مع الحصول على نوم كافٍ ونوعي. القاسم المشترك بين المبدعين ليس السهر أو الاستيقاظ المبكر، بل احترام احتياجات أجسادهم وعقولهم من الراحة والنوم الكافي.
امرؤ القيس وهموم ليله الطويل
حين يصوّر امرؤ القيس ليله القَلِق بقوله:
وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولَهُ
عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي
كيف يقرأ طبيب النوم هذا الأرق الشعري: هل هو تعبير عن اضطراب نفسي وبيولوجي مبكر، أم أن السهر هنا تحوّل إلى حالة إبداعية استثمرها الشاعر لتكثيف تجربته الوجودية؟
من منظور طب النوم، يمكن قراءة هذا البيت الشعري على أنه يجمع بين الوصف الدقيق لحالة الأرق والضيق النفسي من جهة، والاستثمار الإبداعي لهذه المعاناة من جهة أخرى. الاحتمالان ليسا متناقضين، بل يتعايشان في تجربة إنسانية معقدة.
الأرق كاضطراب نفسي وبيولوجي
وصف امرئ القيس لليله بأنه «كموج البحر» يعكس بدقة التجربة الذاتية للأرق، حيث يشعر الشخص بأن الليل طويل لا ينتهي وأن الهموم تتلاطم مثل الأمواج. الأدبيات العلمية تؤكد العلاقة الوثيقة بين الأرق والضائقة النفسية، فالأرق غالباً ما يكون مرتبطاً بالقلق والاكتئاب والتفكير الاجتراري. البحوث وجدت أن الاجترار الذهني، أي التفكير المتكرر في الهموم والمشاكل، يمثل آلية نفسية تربط بين المزاج المكتئب وضعف جودة النوم. الشخص الذي يعاني من الأرق يواجه أفكاراً متطفلة ومتكررة تمنعه من النوم، تماماً كما عبّر الشاعر عن «أنواع الهموم» التي تحاصره.
الأرق والإبداع: علاقة معقدة
لكن هذا لا يلغي البعد الإبداعي للتجربة. الدراسات الحديثة تشير إلى وجود علاقة معقدة بين الأرق والإبداع. بعض الأبحاث وجدت أن الأرق قد يرتبط بزيادة الحاجة للمعرفة، وهي سمة ترتبط بدورها بالإبداع. دراسات أخرى ربطت بين ضعف جودة النوم وزيادة الغرابة والأصالة في التفكير الإبداعي. هناك أيضاً ما يُعرف بـ»فرضية الإدراك المثابر»، التي تقترح أن الحالة الذهنية أثناء الأرق قد تسمح بتدفق أكثر حرية للأفكار دون الحواجز المعتادة للنقد الذاتي. لكن يجب التأكيد على أن هذه العلاقة ليست بسيطة أو خطية، فبعض الأبحاث لم تجد ارتباطاً واضحاً أو وجدت تأثيرات متباينة.
العلاقة بين المعاناة والإبداع
الأدبيات تشير إلى وجود علاقة إيجابية بين بعض الاضطرابات النفسية الخفيفة والإبداع. دراسة حديثة وجدت أن الاكتئاب قد يرتبط بالإبداع من خلال آليات نفسية معقدة تشمل المرونة النفسية والتفكير المتأني. مراجعة منهجية شملت أكثر من 6 ملايين مشارك أظهرت أن معظم الدراسات تدعم وجود رابط إيجابي بين الإبداع والاضطرابات النفسية الخفيفة. لكن المهم هنا أن الإبداع ليس ناتجاً مباشراً عن المعاناة، بل هو عملية تحويل وإعادة صياغة لهذه المعاناة.
استثمار المعاناة فنياً
ما فعله امرؤ القيس يمكن فهمه كعملية تحويل نفسي، حيث أخذ تجربة الأرق والضيق النفسي وحولها إلى عمل فني له قيمة جمالية ووجودية. هذا التحويل الفني للمعاناة له قيمة علاجية معترف بها في الأدبيات الحديثة، حيث يساعد التعبير الفني على معالجة المشاعر الصعبة وإطلاق التوتر الداخلي. الموسيقيون والفنانون الذين يعانون من الأرق غالباً ما يصفون تجربة مشابهة: تحويل ساعات السهر المؤلمة إلى مادة إبداعية تمنحها معنى.
القراءة الطبية المتوازنة
من منظور طبي، الأرق الذي يصفه امرؤ القيس هو على الأرجح حالة مرتبطة بضائقة نفسية حقيقية، ربما ناتجة عن ظروفه الحياتية الصعبة كمنفي فاقد لملكه. لكن قدرته على صياغة هذه التجربة شعرياً بهذا الجمال تعكس نوعاً من الإبداع التكيفي، حيث حول المعاناة إلى فن. هذا لا يعني أن الأرق ضروري للإبداع أو أنه حالة صحية، بل يعني أن بعض المبدعين يستطيعون استثمار معاناتهم النفسية فنياً، لكن هذا يبقى استثماراً لحالة مرضية وليس احتفاءً بها.
** **
@ali_s_alq