الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
يعدّ الدكتور عبد الله المدني واحدًا من أبرز الأكاديميين والباحثين في منطقة الخليج العربي، إذ أسهم بفاعلية في إثراء المشهد الفكري والبحثي عبر مقالاته ودراساته التي تناولت العلاقات الدولية والشؤون الآسيوية، إلى جانب اهتمامه العميق بالتاريخ والثقافة والموسيقى. ولم تتوقف إسهاماته عند حدود الكتابة الصحفية، بل امتدت إلى البحث الأكاديمي والتأليف الروائي، حيث نجح في الجمع بين تخصصه العلمي وشغفه بالتاريخ والفنون، مقدّمًا نموذجًا للمثقف الموسوعي القادر على وصل المعارف وتداخل الحقول.
ورغم التحولات الجذرية التي شهدتها الصحافة التقليدية في العصر الرقمي، لا يزال الدكتور المدني يؤمن بدورها المعرفي والتوثيقي، ويعوّل على مستقبلٍ يحفظ للصحافة رسالتها الأصيلة في نقل الحقيقة وصناعة الوعي.
وتتجلّى الذاكرة هنا بوصفها أداة معرفة لا تقل أهمية عن الوثيقة المكتوبة. يستعيد الكاتب الدكتور عبد الله المدني في لقائه لـ«الثقافية» علاقته بمدينة الخبر، لا باعتبارها مكانًا محايدًا، بل بوصفها تجربة معيشة شكّلت وعيه الأول وأسهمت في تكوين نظرته إلى التحولات الاجتماعية والثقافية المبكرة في المنطقة الشرقية. كما يتوقف عند دور تلفزيون أرامكو بوصفه ظاهرة إعلامية تجاوزت الترفيه، وأسهمت في إعادة تشكيل أنماط الحياة اليومية، ووسّعت أفق التلقي والمعرفة لدى جيل الخمسينات والستينات.
وتأتي الإشارة إلى مشروع توثيق المبدعات الخليجيات ضمن هذا السياق العام، لتؤكد أن التوثيق لديه ليس فعل حنين، بل ممارسة ثقافية واعية تسعى إلى إنصاف الأدوار المغيّبة، وربط التحولات الفردية بالسردية الأوسع للمجتمع.
توثيق تاريخ مدينة الخبر
* ما الذي دفعكم لتوثيق تاريخ مدينة الخبر في كتاب «الخُبر.. الله يا وطر مضى»؟ وما الرسالة التي تسعون لإيصالها من خلاله؟ وهل هناك مشاريع مستقبلية لتوثيق المزيد عن تاريخ المنطقة؟
الخبر قطعة من روحي، ومهما قلت فلن أوفيها حقها، فقد وُلدت ونشأت ودرست مراحل الدراسة النظامية الثلاث بها بعد انتقال الوالدين إليها من البحرين بحثًا عن الرزق ورغبةً في حياة معيشية أفضل، وبالتالي فلي في كل بقعة منها ذكريات غالية وعزيزة على قلبي.. وهل هناك أغلى من ذكريات زمن الطفولة والصبا والشباب عند المرء؟
لقد وجدت في السنوات الأخيرة أنه من واجبي تجاه الخبر وأهلها الكرام، وأصدقائي الكثيرين من أبنائها، أن أوثق سيرتها من خلال ما عشته وشاهدته من تطورات تنموية مرّت بها منذ عقد الخمسينات وحتى أوائل عقد السبعينات، التي شهدت تخرجي من ثانويتها وانتقالي إلى الخارج لإكمال تعليمي الجامعي في بومباي وبيروت والقاهرة وبوسطن ولندن على التوالي.
والحمد لله أني وُفقت، بعد عناء كبير، في تحقيق تلك الرغبة، فصدر كتاب «الخبر.. الله يا وطر مضى» أولًا في عام 2019 في طبعة لم تعجبني ولم تكن تليق بمرابع نشأتي وذكرياتي، فقررت في عام 2022 إصدارها مجددًا في طبعة فاخرة وأنيقة على نفقتي الخاصة. وهذا الكتاب يقع في أكثر من 600 صفحة من القطع الكبير، ويحتوي على كل ما يتعلق بالخبر، وبه ملحق للكثير من الصور النادرة عن عمرانها ومناهلها ومدارسها وأسواقها وشوارعها وأحيائها ومكتباتها وجوامعها وفنادقها ورجالاتها وشبابها، حيث حرصت على تدوين كل شيء عنها تقريبًا كي يكون الكتاب مرجعًا للأجيال الجديدة التي لم تعاصر ما عاصرناه من متغيرات. لكن الأمر المؤسف أن المكتبات التجارية في المملكة العربية السعودية، كمكتبة جرير، حيث يجب أن يتوافر الكتاب للراغبين، تبالغ في شروطها لتسويق الكتاب، كاستقطاع أكثر من 50 % من سعر النسخة الواحدة، ودون أن تتحمل أجرة النقل.
تلفزيون أرامكو
* تحدثت عن دور تلفزيون أرامكو في تثقيف وتوعية المجتمع الخليجي، كيف تصف تأثير هذه المحطة في جيل الخمسينيات والستينيات؟
كان التلفزيون مجرد واحد من مآثر شركة أرامكو الكثيرة على مجتمعات المنطقة الشرقية. والحقيقة أن الحديث يطول حول هذه المآثر، لأنها اشتملت على مشاريع الإسكان، وتخطيط المدن، ورصف الشوارع، ومد شبكات الصرف الصحي، والابتعاث إلى الخارج، وبناء سكة حديد الدمام–الرياض، ونشر الكهرباء، ومد المؤسسات الأهلية بالخبرة الفنية، وتشجيع رجال الأعمال على الابتكار وخوض مجالات العمل ا لحديثة، ونشر برامج التوعية الصحية والزراعية، والقضاء على أمراض الملاريا والتراخوما، وغير ذلك مما لا ينكره إلا كل مكابر.
ولا أبالغ لو قلت إن ظهور البث التلفزيوني قد أحدث انقلابًا في حياة مجتمعات المنطقة الشرقية، وكان تأثيره مدويًا في عادات العمل وساعات النوم والاستيقاظ والفراغ، واهتمامات الناس بمن فيهم أطفال المدارس.
أتذكر أن الذين تمكنوا من شراء جهاز تلفزيون في الخبر وقتذاك كانوا قلة يُعدّون على الأصابع، وكان امتلاكهم للجهاز العجيب مصدر فخر لهم ودليل وجاهة، ومبعث غبطة وحسد الآخرين من أصحاب الدخول المتواضعة. كما أتذكر أننا كنا نشير إلى أولادهم بالبنان صائحين: «هذا ابن فلان الذي في بيتهم تلفزيون». وكانت هوائيات أجهزتهم التلفزيونية العالية المثبتة فوق أسطح منازلهم تُتخذ مرشدًا للاستدلال على العناوين، أو على الأطفال التائهين.
أحدثت الشاشة الصغيرة، بعدما صارت الأسر تلتف حولها كل مساء، انقلابًا في حياة الناس وأولوياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية ووتيرة برامجهم اليومية في بداية الأمر. فالذي كان يذهب إلى فراشه قبل الثامنة مساءً بمجرد أداء صلاة العشاء والتقام كسرة خبز مع صحن من الباجيلة (الفول) أو النخي (الحمص)، أصبح لا يلجأ إلى مخدعه إلا مع انتصاف الليل أو نحو ذلك. وإلى ذلك كثرت حالات التأخر عن الأعمال والمدارس، وأصبح الصبية يختلقون الأعذار لزيارة بيوت الجيران الموسرين، إن لم يكن من أجل التسمر مع أقرانهم أمام الجهاز العجيب، فعلى الأقل من أجل إطلالة عرضية سريعة على شاشته. وكان بعض هؤلاء يهرب خلسة من منزل أهله في المساء ليسترق النظر إلى أجهزة الجيران من فتحات نوافذهم المغلقة، أو ليتسلق الحيطان من أجل أن يُدلي برأسه من فوق «حوش» بيوتهم فيتمتع بمشاهدة الأفلام السينمائية في أوج ساعات بثها. وقد خلق هذان، بطبيعة الحال، شروخًا في جدار علاقات الأسر المتجاورة بعضها ببعض؛ فهذا يتهم جاره بتطفل أولاده وتلصصهم على خصوصيات أسرته، وذاك يرد عليه متهمًا إياه بإفساد أولاده، وهكذا.
وبظهور التلفزيون تحولت ساحات المدارس أثناء فترات الراحة ما بين الحصص الدراسية، وكذلك أسطح المنازل في فترة ما بعد العودة من المدارس، إلى ما يشبه المسارح المفتوحة، يقلد فيها الصغار ما رأوه البارحة من أفلام رعاة البقر بخيولها وقطعانها ومسدساتها ومطارداتها وهنودها الحمر. وكثيرًا ما كانت تنشب الخلافات بين هؤلاء الصغار من بعد بدايات هادئة في التمثيل، كنتيجة لإصرار أحدهم على أنه لم يُصب بطلق زميله، وبالتالي لا يزال حيًا وقادرًا على مواصلة المشاركة في بقية الأحداث، وإصرار مطلق الرصاصة على أنه قد قضى نهائيًا على زميله، وبالتالي لا مفر أمامه سوى الانسحاب من بقية الأحداث.
ومع سماع القاطنين في بطون نجد بأخبار التلفزيون ومعجزاته في المنطقة الشرقية، كان بعضهم ينتهز إجازة نهاية الأسبوع، التي كانت وقتذاك لا تتعدى يوم الجمعة من كل أسبوع، ليمتطي سيارة أجرة مشتركة ويقطع بها طريقًا صحراويًا موحشًا للوصول إلى الدمام أو الخبر أو الظهران من أجل نهار ونصف النهار من الاستمتاع بمشاهدة البث التلفزيوني.
أتذكر أني وأقراني من الطلبة كنا نسارع إلى حل واجباتنا المدرسية بمجرد عودتنا إلى منازلنا بعد نهار دراسي متعب، ونتبع ذلك بإنهاء ما كانت أسرنا تكلفنا به من مهام يومية، كالذهاب إلى الخباز أو البقال لإحضار أرغفة الخبز الساخنة ولوازم الطبخ، وذلك كي نكون في حل من أي مسؤوليات تعوق تسمرنا أمام الشاشة وقت عرضها للفيلم السينمائي العربي. كما أتذكر أن مشاهداتنا للفيلم كان غالبًا ما يصاحبها استغراق كامل وتركيز شديد على أحداث الفيلم وأجوائه وأبطاله وحواراتهم، رغم أن كثيرًا من المشاهد والحوارات كانت صعبة الاستيعاب على وعينا المحدود ومخيلاتنا الطرية تحت التأسيس.
حتى إذا ما حل صباح اليوم التالي وعدنا إلى المدرسة، تبارى كل منا في الحديث بتفاخر عما رآه البارحة على الشاشة ولم يره الآخرون. وكان منظر هؤلاء الآخرين ممن لم تكن ظروف ذويهم المادية تسمح باقتناء أجهزة التلفزيون حزينًا يدعو إلى الشفقة، وهم يمدون رقابهم ويفتحون أفواههم في صمت ودهشة لكل كلمة كنا نلقيها عليهم حول فيلم سهرة اليوم السابق.
ومن ناحية أخرى، لعب تلفزيون أرامكو دورًا تثقيفيًا وتوعويًا وتنويريًا بالنسبة لجيلنا، الذي كان جلّه الأعظم يحرص على مراكمة معلوماته العامة من خلال أول برنامج مسابقات ثقافية متلفز عرفه الخليج، وهو برنامج «المباراة الثقافية بين المناطق الثلاث»، الذي كان يُعدّه ويقدمه أول مذيع تلفزيوني سعودي وخليجي، وهو ابن المدينة المنورة المرحوم فهمي يوسف بصراوي.
والحقيقة أني سعيد للغاية لأني أنجزت قبل سنوات أول كتاب توثيقي عن تلفزيون أرامكو باعتبارها أول محطة تلفزيونية ناطقة بالعربية في الخليج، والثانية في الشرق الأوسط بعد تلفزيون بغداد، لكن ما يحزنني هو أن الكثيرين من الصبية الباحثين عن الشهرة والانتشار يستغلون مجهودي هذا في عمل فيديوهات وبودكاستات دون الإشارة إلى المصدر.
سير المبدعات الرائدات من نساء الخليج
* أشرتم إلى إصداركم المرتقب لكتاب يتناول سير المبدعات والرائدات من نساء الخليج. هل يمكنكم اطلاعنا على تفاصيل هذا العمل؟ متى سيصدر؟ وما الدوافع التي جعلتكم تخصون المرأة الخليجية بهذا التوثيق؟
الكتاب صدر بالفعل في البحرين في عام 2022، وتمت طباعته على نفقة الوجيه الإماراتي خلف أحمد الحبتور، جزاه الله خيرًا، وهو مكوّن من نحو 400 صفحة من القطع المتوسط، ويشتمل على السيرة المفصلة والموثقة بالصور الفوتوغرافية لستٍ وخمسين امرأة من نساء السعودية والبحرين والإمارات والكويت وعُمان، الرائدات والمبدعات في مجالاتهن وتخصصاتهن المتنوعة. وقد صدر الكتاب كجزء رابع ضمن مشروع «موسوعة النخب في الخليج العربي» الذي أعمل عليه منذ عام 2012، بهدف توثيق سير الرواد والمبدعين والأوائل في الخليج والجزيرة العربية، رجالًا ونساءً، قديمًا وحديثًا، وفي مختلف التخصصات، إضافة إلى توثيق سير الشخصيات العربية والأجنبية التي عاشت في المنطقة وتركت بصمات خالدة في تاريخها.
أما ما جعلني أخصص الجزء الرابع من الموسوعة للنساء حصرًا، فهو ما كتبته في مقدمة الكتاب، وهو الاعتراف بأدوارهن المتعاظمة في شتى مجالات ومناحي الحياة، وإيماني القوي بأن تلك الأدوار لا تقل أهمية عن أدوار شقيقهن الرجل في عملية التنمية والنهوض بمجتمعاتنا.
لقد لعبت المرأة الخليجية منذ بواكير تأسيس الدولة الحديثة في منطقة الخليج العربي دورًا حيويًا ومشهودًا إلى جانب شقيقها الرجل في رفد حركة التنمية من خلال ما تيسّر لها. وإذا كان دورها في الماضي اقتصر على مجالات معينة بحكم العادات والتقاليد المحافظة وسطوة الذكورة، فإن دورها في الحاضر تشعّب وترسّخ في كل المجالات، وبات ينتظرها مستقبل أكثر إشراقًا، وذلك بفضل تغيّر المفاهيم الثقافية وتواري المعوقات الاجتماعية، تلك التي وقفت حائلًا لسنوات طويلة أمام تحقيق طموحاتها في الابتكار والمبادرة وخوض المستحيلات. هذا ناهيك عما جرى ويجري في عالم اليوم من عملية انفتاح وتواصل كونية شاملة انعكست إيجابًا على تحررها من القيود البالية والمفاهيم العقيمة.
والحقيقة التي لا بد من التأكيد عليها هي أن تمكين المرأة الخليجية ما كان لينجح لولا ثقتها بنفسها، وإصرارها وعزيمتها على إثبات ذاتها واستقلاليتها، معطوفًا على الدعم السخي الذي لقيته من لدن القيادات السياسية الحكيمة في المنطقة، الأمر الذي أثمر عن ظهور ثلة من النساء اللواتي خضن مختلف التجارب بشجاعة وإقدام، بل تفوقن على الرجل في عدد من الميادين التي كانت لأزمان طويلة مقتصرة على الذكور حصرًا.
إن تقديري للمرأة لا حدود له؛ فهي قبل أن تكون النصف الآخر الذي لا تكتمل الحياة دونه، وقبل أن تكون شريكة حياتي وصائنة بيتي وحارسة فلذات أكبادي، هي أمي التي أنجبتني وأرضعتني ورعتني ووجهتني، والتي لولاها لما كنت. وكثيرًا ما أشعر بالحزن حينما أقرأ قصصًا وحكايات عن أبناء عاقّين لا يتواصلون مع أمهاتهم، أو أزواج يسيئون معاملة زوجاتهم بالضرب والتعنيف، بل إني لم أهضم حتى اليوم موضوع الطلاق والانفصال بجرة قلم بين زوجين جمعتهما العشرة والذكريات وإنجاب وتربية الأطفال.
** **
@ali_s_alq