الثقافية - المدينة المنورة:
استضاف نادي عبق الأدبي بالمدينة النبوية الدكتور محمد بن سليمان القسومي، حيث ألقى محاضرة بعنوان: «الشعر في المملكة العربية السعودية: البدايات ومراحل التحول لمحات تاريخية وومضات نقدية»، يوم السبت الماضي الموافق 24 / 1 / 2026م، ضمن مبادرات الشريك الأدبي التي نشطت هيئة الأدب والنشر والترجمة في إحيائها في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية.
وقد شهدت حضوراً وتفاعلاً من بعض أساتذة الجامعة وطلاب الدراسات العليا، وبعض النقاد والمهتمين من الرجال والنساء.
بدأ بمقدمة تاريخية عن البدايات، قبل أن يتناول مراحل التحول وأبرز الأسماء التي شاركت في ذلك، وختم المحاضرة بحديث عن الجيل الرابع من شعراء المملكة العربية السعودية، متناولاً -بإيجاز- أبرز السمات التي يشترك فيها شعراء هذا الجيل (وهو الجيل الذي بلغ مرحلة النضج في هذه المرحلة التاريخية التي نعيشها الآن).
وقد أثار انتباه الحضور ما شهدته المحاضرة من تصحيح لبعض الأخطاء التاريخية في الكتب التي تؤرخ للأدب في المملكة العربية السعودية، من ذلك قوله:»وقد شهد عام 1365ه/1945مصدور الديوان الأول في الشعر السعودي (صُبابة الكأس) للشاعر إبراهيم الفلالي، وبعد أشهر(1365ه/1946م)، صدر ديوان طاهر زمخشري (أحلام الربيع)، وديوان أحمد عبدالغفور عطار (الهوى والشباب). وليس العام التالي 1366ه، كما ذكر الدكتور عبدالله الحامد في كتابه (الشعرِ الحديثِ في المملكة العربية السعودية). وديوان طاهر زمخشري، ليس (أنفاس الربيع) كما ذكر الدكتور الحامد، بل (أحلام الربيع)؛ لأن (أنفاس الربيع) للزمخشري، صدر في عام 1375ه/1955م». ثم ذكر أنه من الواجب على الباحث أن يعتمد على الديوان (المصدر الموثوق)».
وقد شدد على وجوب التأكد من المعلومة من مصادرها الموثوقة.ومما يميز هذه المحاضرة أن الدكتور القسومي يأتي بأمثلة، تؤكد ما يدعو إليه من تثبت؛ تجنباً للأخطاء، فقد ذكر أنه في عام 1366ه/ 1947م، صدر ديوان (الطلائع) لأحمد محمد جمال، وديوان (البسمات الملونة) لحسن بن عبدالله القرشي، ثم أشار إلى أن الدكتور الحامد في كتابه (الشعر الحديث في المملكة العربية السعودية) ذكر أنهما صدرا في عام 1367ه. وهو مخالف لما جاء فيهما!
وقد دُهش الحاضرون حينما استعرض بعض الأخطاء الطريفة التي وقع فيها بعض المؤرخين، من ذلك ما ذكره عن أحمد محمد جمال، إذ يقول: «اختفى أحمد محمد جمال من ساحة الشعر، وحين أعاد طباعة ديوانه (الطلائع)، سـمّاه (وداعاً أيها الشعر)، فظن بعض المتعجلين أنه ديوان آخر للشاعر، من ذلك -مثلاً- موسوعة الأدباء والكتاب السعوديين خلال مئة عام، لأحمد سعيد بن سِلم. والطريف أن (معجم الأدباء والكتاب) الذي نشرته الدائرة للإعلام، قد ذكر أن (الطلائع) ديوان شعر، مشيراً إلى أنه طبع في 1946م، و(وداعاً أيها الشعر) مقالات، مشيراً إلى أنه طبع في 1977م.
والحقيقة أن الطبعة الثانية التي سماها (وداعاً أيها الشعر) ونشرها نادي مكة المكرمة قد كُتب في غلافها الداخلي: الطبعة الأولى 1366ه، والطبعة الثانية 1397ه. ولو اطلع من أعدّ هذا المعجم على هذه الطبعة؛ لأدرك أنها نصوص شعرية وليست مقالات».
وقد أشار في هذه المحاضرة إلى الذين اعتزلوا ساحة الشعر من الرعيل الأول من شعراء المملكة العربية السعودية، ومنهم: عبدالله بلخير، وأحمد عبدالجبار، وعلي زين العابدين، وصالح العثيمين، وأحمد عبدالغفور عطار، وماجد الحسيني، وغادة الصحراء ،ومحمد العامر الرميح، وسعد أبو معطي، ومحمد عمر توفيق، وعبداللطيف أبو السمح، وعبد الله القرعاوي.
وكان لريادة محمد حسن عواد نصيب من حديث المحاضر، إذ ذكر اتصاله بالمدارس الأدبية العربية المجددة، ووصل أدبنا بها، مشيراً إلى تفاعل الشعراء مع الحركات الشعرية في البلاد العربية، كما تناولت المحاضرة النزعة الفكرية للعواد، المنبثقة من تأثير العقاد فيه، وأثر ذلك في مستوى شعره، ومع أن القسومي لم يعجب بشعر العواد، فإنه لم يُغفل مبادراته التنويرية، مشيراً إلى أن التاريخ والذاكرة الأدبية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية، تحفظ للعواد شجاعته وريادته في دعواته التنويرية.
وتحدث عن بدايات شعر التفعيلة، وقصيدة النثر في المملكة وأبرز الأعلام، وأول الدواوين الصادرة، مصححاً الخطأ فيما نشر حول تاريخ صدور أول ديوان في قصيدة النثر. وذكر أن ظهور المرأة الشاعرة منذ الجيل الثاني من أجيال الشعر في المملكة العربية السعودية، وأن الديوان النسائي الأول هو ديوان ثريا قابل (الأوزان الباكية-1383ه/1963م)، مشيراً إلى أنه ظهر بعد 18 عاماً من ديوان إبراهيم الفلالي (صبابة الكأس) الذي يعد أول ديوان صدر لشاعر سعودي.
وذكر أن المحاولاتِ الأولى في قصيدة النثر بالمملكة العربية السعودية، كانت سابقة لقصيدة التفعيلة زمنيّاً، وإن لم يكن مصطلح قصيدة النثر قد شاع آنذاك، وأن أول من حاول ذلك هما: حسين خزندار وعزيز ضياء، ثم تناول أبرز من كتب هذا النوع من الشعر.
وختم حديثه بالجيل الشعري الذي بلغ اليوم النضج، مشيراً إلى أن شعراءه الأغلب في مشهدنا الثقافي اليوم، وإن شاركه عدد قليل من الجيل السابق، وبعض شعراء الجيل اللاحق.
وذكر أن شعراءه هم الجيل الرابع من شعراء المملكة العربية السعودية، وأن أغلب شعراء هذا الجيل، ولدوا بين عامي (1380-1390ه)، ومنهم من ولد قبل ذلك أو بعده بقليل، وقليل منهم كانت ولادته متزامنة مع تأسيس الأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية في عام 1395ه، كما ذكر أن معظم شعراء هذا الجيل، ظهر في العقد الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، وأن النساء الشواعر قد كثرن في هذا الجيل.
وقال: إن هذا الجيل، نشأ في كنف الأندية الأدبية المنتشرة في أنحاء البلاد، حيث الاهتمام بإنتاجهم، وطباعته، وتوفير الجو الثقافي من ندوات ومحاضرات ومسابقات ثقافية وأمسيّات، يلتقون فيها النخبة من أهل الأدب والثقافة. وقد تحقق لهم ذلك من خلال المهرجانات التي تقام داخل البلاد وخارجها.
كما ذكر أن شعراء هذا الجيل قد واكبوا تطور التعليم العالي، حين تعددت الجامعات وانتشرت الكليات في أنحاء متفرقة من البلاد، وشهدوا انتفاضة أبناء الأقصى، وردة فعل المجرم الصَّهيوني، وعاشوا أجواء حرب الخليج، وما أحدثته من فرقة بين الأشقاء، وتزامن تكوينهم الثقافي مع الأحداث الجسام التي حلّت بالمسلمين في أفغانستان والشيشان وغيرهما من البلاد الإسلامية، وقد آلمهم الجرح الناغر في جسد الأمة الإسلامية، والظلم الذي حلّ بالفرد المسلم في تلك البلاد وغيرها، كالعراق والصومال والفلبين، وكشمير، وعاشوا أجواء الربيع العربي وما صاحبه من آمال وآلام.
وقد شبوا في خضم الثورة الفضائية العالمية التي قرّبت البعيد، وكشفت الخفي، فكانت زاداً ثقافيّاً، ورافداً مهمّاً، استمدوا منه شيئاً من التفكير والتصور للكون والحياة.
وختم حديثه بسمات شعراء هذا الجيل، ذاكراً أن أبرزها:
1- يمتاز هؤلاءِ بتكوينهم الثقافي العالي؛ فأغلبهم واصل الدراسات العليا.
2- زاوج معظمهم بين الشعر والكتابة النقدية والفكرية، وبرز عندهم الوعي النقدي بالشعر وقضاياه.
3- المدة بين تاريخ الميلاد وصدور أول ديوان ليست طويلة؛ مما يدل على ثقة الشاعر بإبداعه، وقد يكون لتوافر المطابع وتيسر أمر الطباعة أثر في ذلك.
4- وضح اعتدادهم بالشعر الفصيح، واهتمامهم باللغة الفصحى، وشكواهم من مدِّ الشعر العامي.
5- حافظوا على التوازن بين المستجدات والموروثات، وزاوجوا بين الشعر التناظري والشعر التفعيلي، وقلّ أن نجد شاعراً من هذا الجيل، لم يكتب الشعر التفعيلي، كما أن الذين كتبوا قصيدة النثر من هذا الجيل ندرة.
6- اهتم الشعراء بالمجتمع المحلي وقضاياه، كما تفاعلوا مع الشأن الإسلامي.
7- تلاشت عندهم -حسب اطلاعي- نأمة التبرم والضيق واليأس التي كانت سائدة عند شعراء الجيلين الثاني والثالث.