اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل مرآة تعكس هُوية الشعوب وعمق ثقافتها. وفي طيّات اللغة ألفاظ كانت يوماً جزءاً من الحياة اليومية، ثم انزاحت إلى هامش الاستعمال، ليس لقصورها، بل لتغيّر الزمن وتحول أنماط الحياة والتفكير.
كانت مفردات الكتابة والتوثيق في الماضي تعكس وعي الإنسان بقيمة المعرفة وحرصه على حفظ الفكر وتنظيم الحياة الفكرية، فلم تكن الكتابة فعلاً عابراً، بل طقساً ثقافياً له أدواته ومصطلحاته ودلالاته الرمزية، وكل لفظ كان يشير إلى طريقة مخصوصة في الحفظ أو التدوين، ويكشف عن علاقة وثيقة بين الإنسان والمعرفة، وبين اللغة والذاكرة.
هذا الارتباط بين اللغة والوعي لا يقتصر على الماضي فحسب، بل يمتد إلى الحاضر؛ فالمجتمعات التي تدرك عمق لغتها وتراثها تكون أكثر وعياً بثقافتها وقدرتها على التعبير عن نفسها بطريقة فريدة، كما أن الكلمات القديمة تمنح الأدباء والكتّاب أدوات لإثراء نصوصهم، وتتيح لهم نقل تجربة فكرية وغنى شعوري قد يُفقد في لغة العصر الحديث، وإدراك معنى هذه الكلمات أو إعادة توظيفها يعيد للحياة جانباً من الثقافة التي كادت أن تختفي، ويجعل من الكتابة جسراً بين الماضي والحاضر.
العودة إلى هذه الألفاظ المهجورة لا تعني الحنين إلى الماضي بقدر ما تعني استعادة وعي لغوي وثقافي؛ فاللغة لا تفقد حيويتها إلا حين نتوقف عن مساءلتها والتنقيب في طبقاتها العميقة، ولذا فاستعمال هذه المفردات يمنح اللغة إشارات دقيقة لا توفرها مفردات العصر الحديث دائماً.
وفي عالمنا الرقمي تتسارع الكلمات وتُختزل المعاني، وتغدو اللغة أداة وظيفية أكثر منها وعاءً ثقافياً، غير أن الألفاظ المهجورة تذكّرنا بأن اللغة ليست مجرد وسيلة، بل ذاكرة حيّة تختزن تجارب البشر، وتحفظ طرق تفكيرهم وأنماط عيشهم، ومن هنا تأتي أهمية الاهتمام بالكلمات المهجورة والبحث في معانيها، ليس لإحياء الماضي فقط، بل لتقوية فهمنا للهُوية الثقافية.
ختاماً، ليست هذه الألفاظ مجرد حروف منسيّة، بل هوية ثقافية كاملة، فكل لفظ مهجور هو نافذة تطل على تاريخنا، وكل عودة إليه استعادة لجزء من وعينا اللغوي والإنساني؛ فحين نعيد الاعتبار لهذه المفردات، فإننا نعيد الاعتبار للغة نفسها بوصفها كائناً حيّاً يتجدد ويتطور دون أن يتخلى عن جذوره العميقة.
** **
- د. أسماء بنت صالح المبارك