لا تولد النصوص الأدبية الكبرى من الخيال وحده، بل من قدرة الكاتب على ملاحظة ما يحيط به وتحويل اليومي والمألوف إلى معنى إنساني عميق. فالأماكن التي نراها كل يوم البحر، الصحراء، الشارع، المقهى، البيت ليست مجرد خلفيات للأحداث، بل عناصر دلالية حية قادرة على حمل أفكار كبرى تتصل بالإنسان والزمن والحالة الانسانية. من هنا تبدأ الكتابة التي تمس القارئ فعلًا؛ من القريب الذي نعرفه، لا من البعيد المتخيل.
كان الروائي السوري (حنّا مينه) واضح الرؤية حين دعا الكتّاب الجدد إلى الالتفات نحو البحر، مشيرًا إلى قلة الأعمال الأدبية التي تناولته بعمق. لم تكن دعوته عابرة، بل نابعة من وعي بأهمية التجربة المعيشة في بناء النص، فقد كتب مينه عن البحر لأنه عاشه بكل تقلباته؛ عمل في الميناء، واختبر الخطر، والمدّ والجزر، والصراع اليومي مع الطبيعة. في روايات مثل الشراع والعاصفة، لا يظهر البحر كمكان للأحداث فقط، بل كرمز للصراع الإنساني الدائم، وللعلاقة المعقدة بين الإنسان و الطبيعة. هنا لا يقرأ القارئ البحر بل يشعر به، ويجد نفسه مندمجًا في التجربة، فتغدو التفاصيل أكثر حضورًا وصدقًا.
وفي مسار مختلف، قدّم (إبراهيم الكوني) الصحراء بوصفها فضاءً دلاليًا غنيًا بالمعاني، لم تعد الصحراء في أعماله فراغًا جغرافيًا، بل تحولت إلى رمز للمعرفة، والثبات، والاختبارالانساني. الرمال الممتدة، القسوة، الصمت الطويل؛ كلها عناصر تشكّل لغة سردية تعكس علاقة الإنسان بالطبيعة، وتجربته في فهم ذاته من خلال محيطه. فالصحراء، في رؤية الكوني، لا تُرى فقط، بل تُعلّم وتكشف عمق الصلة بين الإنسان والعالم.
أما (نجيب محفوظ) ، فقدّم نموذجًا آخر للمكان، حين جعل من القاهرة بطلة خفية في معظم أعماله. في الثلاثية، تتحول الحارات والأزقة إلى مرايا تعكس تحولات المجتمع وصراعاته الطبقية عبر أجيال متعاقبة، ورغم اعتماده على الخيال، فإن أساس عوالمه السردية كان قائمًا على ملاحظة دقيقة لواقع عاشه. المقهى، البيت، الشارع؛ أماكن مألوفة، لكنها محمّلة بدلالات تتعلق بالأسرة، والانتماء، وانكسارات الإنسان البسيط.
وتكمن أهمية هذا النوع من الكتابة في قدرة القارئ على رؤية نفسه داخل النص. فعندما يفهم الكاتب محيطه بعمق، تصبح التفاصيل صادقة: رائحة المكان، أصواته، إيقاع الحياة فيه. لا تعود هذه التفاصيل أفكارًا مجردة، بل جزءًا من تجربة إنسانية مشتركة، يشعر القارئ معها بالألفة لا بالغربة، وكأن النص كُتب من ذاكرته الشخصية.
فالرمزية هنا ليست تعقيدًا لغويًا أو غموضًا متعمدًا، بل وسيلة لجعل النص أكثر قربًا وتأثيرًا، ولا تتحقق مثل هذه الكتابة إلا بمرور الكاتب بتجارب حقيقية بين الناس. نجيب محفوظ، على سبيل المثال، جالس الجميع: الوزير، المثقف، الإنسان البسيط، وسائق التاكسي. لم يكن هذا الاحتكاك مجرد عبور عابر، بل فعل التقاط للحكايات اليومية ومزجها بالخيال، ثم تقديمها للقارئ في صيغة أدبية نابضة بالحياة، ومن الطبيعي أن يكتب الكاتب عمّا يلمسه ويعيشه، محاولًا تحويله إلى عمل روائي يلامس القارئ ويعبّر عنه.
وفي الختام، يمكن القول: إن أقوى الروايات والقصص هي تلك التي تنجح في تحويل المألوف إلى دلالة، واليومي إلى مشهد أدبي حي. فعندما يكتب الكاتب عمّا يراه ويفهمه بعمق، لا ينتج نصًا عابرًا أو نجاحًا مؤقتًا، بل عملًا يبقى في الذاكرة؛ لأنه قريب من إحساس القارئ، ويتسلل إلى وجدانه بسلاسة، ويصل إلى أعماقه الإنسانية دون عناء.
** **
د عبدالعزيز القحطاني - طبيب وكاتب روائي