ماما.. بابا
منذ أن نطق الإنسان أولى كلماته أدرك أن الكلمة ليست مجرد حروف تتجاور، بل قوة تتجاوز حدود الصوت، تغير كل ما حوله، لا تُقاس بعدد الحروف، بل بما تُحدثه في القلب، ويدركه العقل. كلمة قادرة أن تبني وأخرى تهدم، تُلهم وتُربك، تفتح الأبواب وتغلقها.
تمتلك الكلمة قدرة عظيمة على ملامسة المشاعر، وإيقاظ الأفكار، وإعادة تشكيل المواقف. كلمة عذبة رقيقة قد ترمم قلبًا منهكًا، وأخرى قاسية قد تترك غصة لا تُمحى. ولهذا كانت البلاغة عبر التاريخ فنًا يُدرَّس، والخطابة سلاحًا يُستخدم في السياسة، والدين، والحرب، والسلام. فالقائد الذي يحسن صياغة كلماته يستطيع أن يوجّه، ويُشعل الحماسة، ويُطفئ الفتنة. فالكلمة حينما تخرج في وقتها تصبح قوة لا يستهان بها.
ولعل الخطاب السعودي المعاصر يقدم نموذجًا حيًا لقوة الكلمة وتأثيرها حين تُقال بثقة ووضوح. فقد تحولت عبارات ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- إلى طاقة قادرة على تحريك الشعب، وتحفيزه، وبناء روح جديدة من الإصرار. فعبارات مثل: «طموحنا عنان السماء»، «همة السعوديين مثل جبل طويق» لم تعد مجرد كلمات، بل رسائل إلهام صنعت وعيًا متجددًا، أحيت الطموح في النفوس، دفعت أمة بأكملها نحو المستقبل، عززت الهوية الوطنية. الكلمات حين تُقال بصدق وتُطلق بثبات، تتحول إلى قوة فاعلة ومشروع حضاري متكامل؛ ليست صوتًا عابرًا، بل شرارة تُشعل الإلهام وتفتح آفاقاً واسعة. كلمات برهنت أن التعبير حين يُصاغ بإخلاص يمكن أن يُغيّر اتجاه أمة بأكملها، ويحوّل الرؤية إلى واقع، والطموح إلى إنجاز.
وقد أشار الجاحظ إلى أن «المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي...» وقال عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز وإنما الشأن في جودة «النظم»، فالكلمات في ذاتها مألوفة ومتداولة، لكن طريقة نظمها هي ما يمنحها قوتها. هكذا تبدو عبارات ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان مثالًا حيًّا على الكلمة حين تُقال في وقتها، تصبح قادرة على فتح أبواب لم تكن تُرى، وتصنع مسارًا جديدًا لم يكن متخيلًا.
وبالكلمات ننقل أفكارنا وتجاربنا، نُعبر عن مخاوفنا نُفصح عن أحلامنا، بها نُشارك الآخرين ما لا يُرى أو يُلمس، الكلمة تُخرج ما في خلجات النفس إلى شكل يمكن للآخرين فهمه، والتفاعل معه. يقولون: «تكلم حتى أراك»، فالكلمة تكشف ملامح النفس أكثر من الملامح ذاتها، فهي جسر يصل بين القلوب، ووسيلة لبناء العلاقات الإنسانية وتعميق جذورها وترسيخها.
حين نقول لشخص: «شكرًا لك»، «أحسنت»، «وجودك يهمني»، «خلك في ظهري»، «أنا فخور بك» عبارات بسيطة لكنها تعطي شعورًا بالامتنان والراحة والأمان. بخلاف كلمة «أنت مخطئ»، «وجودك كعدمه»، «لا فائدة منك» قد تحبط حماسه وتزعزع ثقته بنفسه. هذه الكلمات نستخدمها يوميًا وربما لا ندرك مدى تأثيرها في نفوس من حولنا. حتى الكلمات البسيطة مثل: «صباح الخير» و«يعطيك العافية» و»شوفتك صنعت يومي» تحمل طاقة إيجابية وتُغيّر مزاج يوم كامل، وليست مجرد مجاملات، بل أدوات تواصل تبني جسورًا بين الناس.
لابد أن نتخير كلماتنا بعناية؛ فحين يشتد غضبنا قد تخرج منا عبارات مثل: «لا أريد رؤيتك»، «رؤيتك تعكّر مزاجي» فتترك جرحًا لا يلتئم بسهولة، بينما كلمة حكيمة كـ«دعنا نتفاهم» قد تنقذ علاقة كاملة من الانهيار. يحتاج الإنسان إلى وعي دائم وتروٍّ في اختيار عباراته، يقول أحد الحكماء: «ربّ كلمة قالت لصاحبها دعني» فالكلمة إذا خرجت لا تعود، ويبقى أثرها مهما حاولنا إصلاحه، فأثر الكلمة يبقى ندبة في القلب لا تُمحى.
إذا أراد الشخص بناء صورته وهويته الحقيقية، عليه أن يراقب كلماته، طريقة حديثه، أسلوبه في الحوار كلها تعكس تربيته وثقافته ووعيه واحترامه للآخرين. فالتعبيرات المهذبة مثل: «من فضلك»، «لو تكرمت»، «أعتذر». تترك انطباعًا مختلفًا ومهذبًا، على عكس من لا يجيد سوى لغة الأوامر والانتقاد.
الكلمة تعد شرارة الإبداع الأولى، قصيدة لا تُنسى بدأت بكلمة، رواية خالدة كانت انطلاقتها من جملة، فكرة وُلدت من عبارة بسيطة غيرت التاريخ. الكاتب المبدع هو من يطوع الكلمات كما يحسن العازف العزف على أوتار آلته، فينسج منها لحنًا يخاطب القلوب، ويدهش العقول، ويُلهم الفكر، ويبعث الحياة في المعنى.
وفي النهاية، يظل للكلمة سحرها وألقها؛ فهي القادرة على أن تنبت في القلب أملًا، وتوقظ في العقل فكرة، وتنشر في الروح سلامًا. فسحرها ليس ظاهرة لغوية فحسب، بل قوة خفية قوة معرفية واجتماعية تُسهم في تشكيل الوعي، وصياغة التصورات، وبناء الجسور بين البشر. فأحسنوا توجيهها واستخدامها لأن من يمتلك مفتاحها سيمتلك قلوب الناس، ويترك في دروب الحياة أثرًا لا يُمحى.
** **
د. نورة بنت عبد الله العمر - أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود
@nora_7055